فهرس الكتاب

الصفحة 13130 من 23694

"قال: وذلك أني هجمت على ثعلب في مضيق، ومعي بُنيٌّ لي، فإذا هو ميت منتفخ، فصددت عنه، فلم ألبث أن لحقتني الكلاب. فلما أحس بها وثب كالبرق، بعد أن تحايد عن السنن. فسألت عن ذلك فإذا ذلك من فعله معروف، وهو أن يستلقي وينفخ خواصره، ويرفع قوائمه، فلا يشك من رآه من الناس أنه ميت منذ دهر، وقد تزكّر بالانتفاخ بدنه، فكنت أتعجب من ذلك، إذ مررت في الزقاق الذي في أصل دار العباسية، ومنفذه إلى مازن، فإذ جرو كلب مهزول سيئ الغذاء، قد ضربه الصبيان وعقروه ففر منهم ودخل الزقاق فرمى بنفسه في أصل أسطوانة، وتبعوه حتى هجموا عليه، فإذا هو قد تماوت، فضربوه بأرجلهم فلم يتحرك فانصرفوا عنه. فلما جاوزوا تأملت عينه فإذا هو يفتحها ويغمضها. فلما بعدوا عنه وأمنهم عدا، وأخذ في غير طريقهم، فأذهب الذي كان في نفسي للثعلب، إذ كان الثعلب ليس فيه إلا الروغان والمكر، وقد ساواه الكلب في أجود حيله." (62) وهكذا نجد أن الأدوار المسرحية موجودة حتى لدى الحيوان.

إن تماوت الثعلب والكلب عند الشعور بالخطر يكشف لنا عن جذور فن المسرح. فهو شكل من الأشكال الأولى تتجلى فيه غريزة حفظ البقاء. ثم دخل الذكاء الإنساني والإرادة والتنويع ذلك الشكل وارتفعت به إلى الإمتاع والإفادة وحب الجماهير. مثله في ذلك مثل عاطفة الحب التي تحمل الطير على بناء عشه وعلى أن يصدح بأعذب الألحان إغراءً واجتذابًا لأحبائه (فن العمارة وفن الشعر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت