ويذكر المؤلف في الجزء الثاني قصة أدب الكلب (54) ، ويطنب في شأن الكلب فيقول:"وقد صار عند الكلب من الحكايات وقبول التلقين وحسن التصريف في أصناف اللعب وفي فِطَن الحكايات ما ليس في الجوارح المذللة لذاك المصرَّفة فيه، وما ليس عند الدب والقرد والفيل والغنم المكية والببغاء" (55) . ويخص الكلب الزيني بجودة التثقيف:"والكلب الزيني الصيني يُسْرج على رأسه ساعات كثيرة من الليل فلا يتحرك. وقد كان في بني ضبة كلب زيني صيني يسرج على رأسه، فلا ينبض فيه نابض، ويدعونه باسمه، ويرمى إليه ببُضعة لحم والمسرجة على رأسه فلا يميل ولا يتحرك حتى يكون القوم هم الذين يأخذون المصباح من رأسه. فإذا زايل رأسه وثب على اللحم فأكله! درِّب فدَرِب، وثُقِّف فثَقِف، وأُدِّب فقَبِل. وتعلق في رقبته الزنبلة والدوخلة وتوضع فيها رقعة، ثم يمضي إلى البقال، ويجيء بالحوائج" (56) .
ويتحدث الجاحظ عن صفات الكلب المعنوية فيقول:"كِبْره وشدة تجبره وفرط حميته وأنفته واحتقاره أنه متى نبح على رجل الليل ولم يمنعه حارس، ولم يمكنه الفوت، فدواؤه عند الرجل أنه لا ينجيه منه إلا أن يقعد بين يديه مستخذيًا مستسلمًا وأنه إذا رآه في تلك الحال دنا فشغر عليه ولم يهجه، كأنه حين ظفر به ورآه تحت قدرته رأى أن يسمه بميسم ذل" (57) .