فلماذا يكون على سبيل المثال، إصرار ابن سينا على التأكيد بأن كل عقل ليس عقلًا مالم يعقل نفسه ويعقل أنه يعقل تأكيدًا على عدم حاجة النفس إلى آلة في تعقلها ذاتها فحسب؟ ثم أين نذهب إذا ماوقفنا عند هذا الحد في فهم تصور ابن سينا من أن التعقل يوجد النفس؟
لنر قبل كلِّ ماهي طبيعة التعقل هذا وهي في استعمالها السينوي مرادفة للقول"عَقْل العقل لذاته إنه يعقل"، وهو سبب وجوده عاقلًا. حينما يحاول ابن سينا شرح كيفية وجود العقول المفارقة وطريقة انبثاق أحدها عن الآخر يلجأ إلى تداخل الفكر والوجود في عملية التعقل منتهيًا إلى أن التعقل هو سبب وجود العقل. ومع أن النصوص تتكلم على العقول المفارقة، إلا أنني لست أرى ما يمنعنا من التوقف قليلًا أمام آلية هذا الانبثاق أي وعي الوعي.
يقول ابن سينا في الرسالة حول النفس الناطقة المذكورة سابقًا متكلمًا على العقل المحض وتعقلاته الثلاثة:"أحدها أنه يعقل خالقه تعالى، والثاني: أنه يعقل ذاته واجبة بالأول تعالى، والثالث أنه يعقل كونه ممكنًا لذاته، فحصل من تعقله خالقه عقل هو أيضًا جوهر عقل آخر، كحصول السراج من سراج آخر. وحصلت في تعقله ذاته واجبة بالأول نفس، هي أيضًا جوهر روحاني كالعقل، إلا أنه في الترتيب دونه. وحصل من تعقله ذاته ممكنة لذاته جوهر جسماني هو الفلك الأقصى" (16) .
أما ما يهمنا هنا فهو كما قلت تلاحم التعقل والوجود الذي يجد فيه ابن سينا المخرج والحل لانبثاق عقل عن عقل آخر. لكنه لا يقف عند العقل المحض بل يتابع وعلى نفس الوتيرة إلى أن يصل إلى القول في العقل الفعال وعلى غراره أيضًا العقل بالملكة أو العقل المستفاد.