ودار السؤال الحقيقي لدى أقطاب الفكر الحديث، كديكارت وكانت وفخته وهيغل ليس حول ثبت أولويات بين الفكر والوجود، كما توهم بعضهم، بل كان ومنذ اللحظة الأولى مع ديكارت: كيف أعلم أنَّ... أي من أين يتأتى لي حق التأكيد في القول بأن ما أقول حق. من هنا بدأ ديكارت طريقه نحو ربط الفكر والوجود وتبعه في ذلك معظم فلاسفة الحقبة الحديثة. ليس بقول أن الفكر ينتج الوجود أو العكس، بل ـ وهذا فقط ـ إن في التأكيد اعتدادًا يجب أن تبرَّر حقيقته ليصبح علمًا. ومع ديكارت وجدت الفلسفة الحديثة أن العلم هو قبل كل شيء علم العالم بوجوده عالمًا، الأمر الذي لا يمكن نفيه لأن النفي هو بدوره علم أيضًا. ومن هنا أيضًا ترى الفلسفة الحديثة بين العلم والوجود تلك الوحدة البديهية التي هي كيان الأنا، فلست أعلم عن نفسي بطريق الحواس أو التخيل بتأكيد وإنما ما أعلمه بالتأكيد هو أني أعلم أنني أعلم... وبالتالي أن كل ما أعلمه آت عن هذا الوعي الذي هو علم.
أما علم العلم، أو التعقل وبذا نعود إلى ابن سينا، فليس أصل الوجود بمعنى أنه أبدعه أو أوجده ولكنه حقيقة أي موجود في وعي أنه علم أي في وعي وجوده علمًا.
هل يجوز لنا القول منطلقين مما بين أيدينا من نصوص للشيخ الرئيس: إنه قال بمنطلق العلم الفلسفي الحديث السابق ذكره ـ أي أنَّ كل علم لا يكون علمًا إلاَّ حين يعلم أنه علم، أو بكلام آخر، إن الوعي، ووعي الوعي في العملية العقلية هو المنطلق البديهي الأول الذي أرادت الفلسفة الديكارتية إيضاحه، حين أوضحت العلاقة بين الفكر والوجود.
أم كيف نفهم نصوصه إذا لم نقل فيها كما قال غيرنا بأنها مجرد برهان عن وجود النفس أو روحانيتها أو خلودها مع العلم بأنه ليس هناك ما يرغمنا على الوقوف عند هذا التأويل.