تقرأ في رسالة الشيخ الرئيس"في معرفة النفس الناطقة وأحوالها" (11) مايلي المراد بالنفس ما يشير إليه كل أحد بقوله"أنا"فالمقولة الأساسية حول النفس هي"الأنا". ومهما جهد الفكر في التفسير لإرجاع هذا المفهوم السينوي إلى معطيات أرسطو طالية أو أفلاطونية محدثة يبقى أن"الأنا"عند ابن سينا ليست إشارة إلى جزء مكون للإنسان بل إنما هي هويته (أ ِّنيته) ، أي ما يجعله إنسانًا. والأنا مغايرة:"لجملة أجزاء البدن" (13) لا لسبب إلا لكونها ناطقة أي مدركة بالعقل (14) والإدراك بالعقل هنا يعني أنها تعقل ذاتها ثم إنها تعقل إنها تعقل (15) .
نقف قليلًا أمام هذه المعاني: حينما وضع ابن سينا رسمًا للنفس وجد كما رأينا أن"المراد بالنفس ما يشير إليه كل أحد بقوله (أنا) " (16) . وفي هذا القول خروج صريح على التعليم الأرسطو طالي المعروف في النفس. ولكن أيجوز لنا فهم هذا التأكيد كإثبات للأنا المكونة للإنسان؟ من المتفق عليه أنه لم يكن ليخطر ببال أرسطو الشك في وجود الفكر لدى من يفكر. وقد بدأ الشك في هذا الموضوع حين طرحت ثنائية الفكر والوجود، أي في الفلسفة الحديثة فطلب من العقل رفع هذه الثنائية من أجل الوصول إلى حدة وجودية. وحاول حل معضلتها من لم يعد يهمه أمر وحدة العقل أو العقل الكلي أو العقل الفعال. أي منذ أن رأى في الفكر ذاتية شخصية، أساس هويتها حرية الجمع بين الفكر والوجود عينها، فنتج عن هذا التحدي في الفلسفة الحديثة ما سمي نظرًا للحلول المقدمة مثاليًا أو واقعيًا أو ماديًا.