فهرس الكتاب

الصفحة 1302 من 23694

وإنني أرفع الصوت عاليًا وهذا مع كثيرين من المناهضين لسيادة فهم الاستشراق على فهمنا لحضارتنا. وأرفع الصوت بالشك في موضوعية ما يدعيه الاستشراق من تبعية للفلسفة العربية للمفاهيم اليونانية أفلوطينية محدثة كانت أم أرسطو طالية أم أفلاطونية. وإنني أدَّعي أن فهم العقل لدى الفيلسوف ابن سينا ليس بحاجة إلى أن يمرّ في غربال الأمانة أو عدم الأمانة للفلسفة اليونانية أو التأثير بها كي يفقه حقًا.

لدينا في النهاية تيارات معاصرة تتبنَّى في اقترابها من الفلسفة العربية المنهج الماركسي والمادية التاريخية فيه على الأخص. وأبرز ممثلي هذا الاتجاه هم الدكتور حسين مروة في كتابه:"النزعات المادية في الفلسفة العريبة الإسلامية" (9) ، والزميل الدكتورطيب تيزيني في مؤلفه"من التراث إلى الثورة" (10) .

لا شك في أن المنهجية والإيديولوجية المتبعة هنا قد ألقت الأضواء على معطيات أساسية كانت التبعية الفكرية قد أخفتها عن أعين كثير من الشراح والبحاثة. لكن هذا التيار قد اعتمد في كلامه عن الفلسفة، ومع الأسف كما أرى، اعتمد على تبديل التسميات من حيث لم يرد ذاك حين راح يبرر فهمه الجديد لمعطيات عدة بالعودة إلى ما جاء ضمن الكلية المنهجية الخاضعة لإلتزام عقائدي مسبق. ثم قد نصَّب هذا التيار سلطات في المقولة العلمية تلجأ إلى شرعية فهمها لتبرر ما تدعيه. فالقول مثلًا إنَّ فلسفة ابن سينا هي فلسفة مثالية أو واقعية أو مادية ليس، كما يبدو لي، قولًا يقرب فهم ابن سينا إلى القارئ أو يعدل في معالجة هذه الفلسفة، بل إنه ينزع التصورات عن فكر المدَّعي الفهم ليطبعها على المواضيع المدروسة،وكأن القائل لا يرغب في أن يفهم أحد سوى نفسه، وسوف نرى في القسم الثاني من هذا البحث نموذجًا عن التفكير الآلي الذي يريد إظهار الموضوع الذي يدرسه باللباس الذي يروق له.

القسم الثاني:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت