أما الاقتراب من المفهوم السينوي للعقل الأكثر شيوعًا فهو ذلك الذي يقدمه الاستشراق وأتباعه. وصلب ما يعتمد عليه هو ما يقول به منهجًا ويسميه الموضوعية العلمية غير المنحازة كونها تأخذ النصوص المثبتة على ماهي عليه وتقيم الروابط التاريخية السابقة أو المعايشة لها. وبما أن مجرى التاريخ هو الذي به يحدد السابق واللاحق، نرى أن الاستشراق يحدد فلسفة ابن سينا. والفلسفة العربية ككل، من خلال هذه الروابط، وكثر من قال بأن الفلسفة العربية هي ملحق، وإن جدنا بالقول، مكمل للفلسفة اليونانية. هذا إذا ما أعرضنا عن موقف القائلين فيها أنها فلسفة يونانية بلباس عربي، أو إنها صوفية مبطنة بكلام فلسفي الخ...
وبالرغم مما بين المستشرقين من اختلاف في التفاصيل والاتجاهات يمكننا القول إنهم يتخذون جميعًا من العلم موقفًا وكأن العلم قائم بحد ذاته ومن أجل ذاته يحق لكل من ملك القدرة الآلية أن يقول فيها مقرًا أو نافيًا مجيزًا أو مبطلًا. إن أوروبا والاستشراق وليدها ـ ما فتئت تحاول جعل العلم في خدمة مؤسسة اجتماعية ما، كنيسة كانت أم نظامًا اجتماعيًا أم سلطة في حكم. وقد اتبع الاستشراق، غالب الأحيان هذا الطريق ففهم الفلسفة العربية مثلًا إن لم تكن كخادمة للفكر الديني أو الصوفي أو السياسي السائد، فهمها كنتيجة لتيارات سابقة. وليس بخفي من ناحية أخرى، أن الموقف الذي اتخذه الاستشراق وأتباعه من بني المشرق من العلم قد بني في أساسه علىعلاقة تثبت العلم بمثابة وظيفة للعلوم اليونانية أو الحضارات الأوروبية. وهنا يخفى عن الذهن أن علاقة معظم الحضارات الأوروبية بالحضارة اليونانية هي علاقة بنوة كما هو معروف. لكنه ليس من الصحيح بشيء ربط الحضارة العربية بهذه العلاقة وتبني ما ينتج عنها لإلباسه العلوم العربية والفلسفة قبل غيرها منها.