هناك محاولة ثانية، وهي تحمل اسمًا لامعًا في عالم الفكر المعاصر، تقوم بربط مفهوم العقل السينوي ومن خلاله فلسفته كلها بتيارات حديثة. فقد جعل ارنست بلوخ Ernst Bloch الفيلسوف العربي من أتصار ما دعاه"الأرسطو طالية اليسارية" (6) تيمَّنًا بالهيغلية اليسارية. فابن سينا عند حد قول بلوخ يشكل حلقة في التطور التاريخي الذي وصل بالفلسفة الأرسطو طالية إلى جوردانو برونو وليس إلى البرتوس أوتوما الأكويني (7) . فابن سينا عند حد هذا القول، هو حجر زاوية هنا، لأنه:"ينطلق بهذا الاتجاه من مفهوم المادة والصورة الأرسطي معرضًا عن القدرة الإلهية ذاتها لصالح المقدرة الفعالة التي للمادة. وهذا هو طريق اليسار الأرسطو طالي بعينه الذي يشكل ابن سينا قطبًا فيه ونقطة تحول في حقبة مابعد الفلسفة اليونانية" (8) وتكمن (يسارية) ابن سينا، إذا ما جاز لنا اختصار قول بلوخ في أن الفيلسوف العربي قد جعل القوة الفاعلة الجامعة مابين المادة والصورة، أي القوة واهبة الصور لا تتجه باتجاه الألوهة، بل باتجاه الطبيعة والإنسان. فكل ماكان ينسب في الفهم (اليميني) لله حول هذه القدرة أصبح لدى ابن سينا للمادة. ذاك أن العقل واهب الصور، العقل الفعال هو من خصوصيات الإنسانية وليس روحًا يرفرف فوقها.