لقد بين ابن خلدون أن الشعر موجود في كل لغة، سواء أكانت عربية أم أعجمية. وبين أنه"لما فسد لسان مضر ولغتهم التي دونت مقاييسها وقوانين إعرابها فسدت اللغات من بعد بحسب ما خالطها ومازجها من العجمة، فكانت لجيل العرب (البدو) بأنفسهم لغة سلفهم من حضر في الإعراب جملة، وفي كثير من الموضوعات اللغوية وبناء الكلمات. وكذلك الحضر أهل الأمصار نشأت فيهم لغة أخرى خالفت لسان مضر في الإعراب وأكثر الأوضاع والتصاريف، وخالفت أيضًا لغة الجيل (جيله) من العرب (البدو) لهذا العهد (عهده) ، واختلفت هي نفسها بحسب اصطلاحات أهل الآفاق، فلأهل المشرق وأمصاره لغة غير لغة أهل المغرب وأمصاره، وتخالفهما أيضًا لغة أهل الأندلس وأمصاره" (ص 1315) . وقد ناقشنا هذه المسألة مطولًا في مقال كتبناه عن ابن خلدون اللغوي في مجلة الموقف الأدبي، العدد المزدوج شباط آذار 1995.
ولسنا بصدد ذلك الآن. وإنما أوردنا قول ابن خلدون هذا لأنه القاعدة التي يستند إليها في الحديث عن أشعار العرب وأهل الأمصار لعهده. إن ابن خلدون يشير في هذا النص إلى اللسان المضري الذي نزل به القرآن، فدُونت مقاييسه وقوانين إعرابه للحفاظ عليه. إنه اللسان العربي المبين الفصيح: لسان الكتابة والتدوين. وقد تطور عنه في الأمصار على اختلافها لغات شفوية تختلف عنه، ويختلف بعضها عن بعض كما رأينا. وهذه اللغات هي العاميات على اختلافها وبها نسج العامة أشعارهم، كما استمر أهل اللسان المضري الفصيح في نسج أشعارهم به. وهذا الشعر الأصيل لم يتناوله ابن خلدون هنا. وإنما تناول المستحدث، فقال:"فأما العرب (البدو) أهل هذا الجيل المستعجمون عن لغة سلفهم من مضر فيقرضون الشعر لهذا العهد في سائر الأعاريض على ما كان عليه سلفهم المستعربون ويأتون منه بالمطولات (...) فأهل أمصار المغرب يسمون هذه القصائد بالأصمعيات نسبة إلى الأصمعي راوية العرب في أشعارهم."