فهرس الكتاب

الصفحة 13045 من 23694

وأشار ابن خلدون إلى شروط جودة المصنوع أو قصوره: فمن شروط الجودة فيه أن يأتي من غير تكلف ولا اكتراث فيما يقصد منه، وأن يقلل منه، وأن يكون في بيتين أو ثلاثة من القصيد، فتكفي في زينة الشعر ورونقه. أما الإكثار منه فعيب وقصور، لأن الصنعة كالخِيلان (جمع خال وهو الشامة) في الوجه يحسن بالواحد والاثنين ويقبح بتعدادها، ولأن تكلف الصنعة معاناتها يصير إلى الغفلة عن التراكيب الأصلية للكلم فتخيل بالإفادة من أصلها وتذهب بالبلاغة رأسًا ولا يبقى في الكلام إلا تلك التحسينات. ويعقب على ذلك بقوله:"وهذا هو الغالب اليوم على أهل العصر". وقد سبق أن تناولنا هذه المسألة لدى الكلام على علم البيان (راجع الفقرة 2) .

3/6-جودة الشعر بجودة المحفوظ منه:

رأينا في الفقرة (3/3) أن الشرط الأول من شروط عمل الشعر وإحكام صناعته هو الحفظ من جنسه، أي من جنس شعر العرب، حتى تنشأ في النفس ملكة يُنسج على منوالها. وعلى قدر جودة المحفوظ وطبقته وكثرته تكون جودة الملكة الحاصلة عنه للحافظ. فبارتقاء المحفوظ في طبقته ترتقي الملكة الحاصلة. وعلى حسب ما نشأت عليه الملكة من جودة أو رداءة تكون الملكة في نفسها. وعلى أساس ذلك يميز ابن خلدون بين شعر الشعراء الذين تكونت لديهم ملكة عالية في البلاغة بحفظهم العالي في طبقته من كلام العرب، وشعر الفقهاء وأهل العلوم كلهم القاصرين في البلاغة، بسبب ما سبق إلى محفوظهم، ويمتلئ به من القوانين العلمية والعبارات الفقهية الخارجة عن أسلوب البلاغة والنازلة عن الطبقة.

وروى ابن خلدون مثالًا على ذلك ما أخبره به صاحبه أبو القاسم بن رضوان الكاتب بالدولة المرينية، الذي ذاكر صديقًا له متبصرًا باللسان، فأنشده مطلع قصيدة ابن النحوي، ولم ينسبها له، وهو:

لم أدر حين وقفت بالأطلال * * * ما الفرق بين جديدها والبالي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت