يرى ابن خلدون أن سر الكلام وروحه في إفادة المعنى، وأن كمال الإفادة هو البلاغة، لأنها مطابقة الكلام لمقتضى الحال. ويتبع الإفادة لمقتضى الحال التفنن في انتقال الذهن بين المعاني بأصناف الدلالات، لأن التركيب يدل بالوضع على معنى، ثم ينتقل الذهن إلى لازمه أو ملزومه أو شبهه، فيكون فيها مجازًا إما استعارة أو كناية (ارجع في الفقرة 2) ، والصناعة الخاصة بهذا الانتقال هي البيان. وعلم البيان شقيق علم المعاني، وهما جزءا البلاغة، وبهما كمال الإفادة والمطابقة لمقتضى الحال. والبلاغة على هذا هي أصل الكلام العربي وسجيته وروحه وطبيعته.
ثم يوضح المقصود من المطبوع. فهو"الكلام الذي كَمُلت طبيعته وسجيته، من إفادة مدلوله المقصود منه، لأن عبارة وخطاب ليس المقصود منه النطق فقط، بل المتكلم يقصد به أن يفيد سامعه ما في ضميره إفادة تامة ويدل به عليه دلالة وثيقة" (ص 1308) .
أما الكلام المصنوع فهو الذي يحصل له"رونق ولذة في الأسماع وحلاوة وجمال كلها زائدة على الإفادة". إنها"ضروب من التحسين والتزيين بعد كمال الإفادة؛ وكأنها تعطيها رونق الفصاحة، من تنميق الأسجاع، والموازنة بين جمل الكلام، وتقسيمه بالأقسام المختلفة الأحكام، والتورية باللفظ المشترك عن الخفي من معانيه، والمطابق بين المتضادات، ليقع التجانس بين الألفاظ والمعاني" (ص 1308) .
ويرى ابن خلدون أن هذه الصنعة موجودة في القرآن في مواضع متعددة، ويقدم لذلك أمثلة كثيرة منها الآيتان الأولى والثانية من سورة الليل:"والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلّى". ولكن هذا يسمى في القرآن فواصل (راجع الفقرة 3/1) وذكر أن الصنعة أتت عند الجاهليين عفوًا من غير قصد، وكذلك الأمر لدى الإسلاميين. ثم يذكر من أبدعوا فيها كأبي تمام ومسلم بن الوليد ثم ابن المعتز الذي"ختم البديع والصناعة أجمع" (ص 1309) .