4ً-أما النقطة الرابعة فتضم عددًا من المسائل الفرعية الخاصة بإنتاج الشعر ذاته، من مثل ترك محاولة الشعر إن بدت صعبة بعد كل ما سبق، وبناء البيت على القافية من أول صوغه، وترك البيت إلى موضعه الأليق به في القصيد إن لم يكن مناسبًا ما تقدَّمه، وتخير المناسبة، ومراجعة الشعر وتنقيحه ونقده بعد إنتاجه، وترك ما ليس بجيد منه، واستعمال الأفصح من التراكيب والخالص من الضرورات اللسانية، واجتناب المعقد من التراكيب، والمعاني الكثيرة في البيت الواحد، والحواشي من الألفاظ والمقعر وكذلك السوقي المبتذل. ولا ينسى أن يعرض عددًا من الأمثلة على ما قدمه هنا.
ويخلص بعد كل ما تقدم إلى أنه:"إذا تعذر الشعر بعد هذا كله فليراوضه (الشاعر) ويعاوده فإن القريحة مثل الضرع يدر بالامتراء ويجف بالترك والإهمال" (ص 1298) .
ولا ينسى ابن خلدون في ختام هذا العرض الجميل الذي يشهد على إلمامه الواسع والدقيق بمسائل فن الشعر وصنعته أن يذكر بعضًا مما نظمه الناس في أمر هذه الصنعة وما يجب فيها (ص 1299-1302) .
4/3-صناعة النظم والنثر هي في الألفاظ لا في المعاني:
يبين ابن خلدون أن ما في اللسان والنطق هو الألفاظ، أما المعاني فهي في الضمائر. وهي أيضًا موجودة لدى كل واحد في الفكر، ولذلك فهي ليست بحاجة إلى صناعة. إن ما يحتاج إلى الصناعة هو تأليف الكلام للتعبير عنها، وهو في موضع القوالب للمعاني. ويقدم لذلك مثالًا حسيًا وهو أن الآنية التي نغترف بها الماء من البحر متعددة الأنواع، منها الذهب والفضة والخزف والزجاج والصَّدف، ولكن الماء واحد، واختلاف الجودة في الأواني المملوءة بالماء ناجم عن جنسها لا عن الماء. وذلك ينطبق على اللغة، فجودتها وبلاغتها في الاستعمال تختلف باختلاف طبقات الكلام في تأليفه باعتبار تطبيقه على المقاصد، والمعاني واحدة في نفسها (ص 1300-1303) .
3/5-بيان المطبوع من الكلام والمصنوع وكيفية جودة المصنوع أو قصوره: