إن ابن خلدون يريد حدًا تامًا ورسمًا تامًا للشعر يعتمد تعريف الشيء بالجنس والفصل القريبين على طريقة المَنَاطِقة (راجع تعليق المحقق على ذلك في ص 1295) . فما ذُكر عن حد الشعر لدى المتقدمين يظل ناقصًا كما قدمنا. أما التعريف الذي يعطي حقيقة الشعر من هذه الحيثية فهو التالي:"الشعر هو الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف، المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده، الجاري على أساليب العرب المخصوصة به". (ص 1295) . ثم يتناول التعريف بالتوضيح والتفسير ليبين الفرق بينه وبين ما قدمه المتقدمون فيقول:"فقولنا: الكلام البليغ جنس. وقولنا: المبني على الاستعارة والأوصاف فصل عما يخلو من هذه، فإنه في الغالب ليس بشعر. وقولنا: المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي فصلٌ له عن الكلام المنثور الذي ليس بشعر عند الكل."
وقولنا مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده بيان للحقيقة، لأن الشعر لا تكون أبياته إلا كذلك، ولم يُفصل به شيء. وقولنا الجاري على الأساليب المخصوصة به فصل له عما لم يجر منه على أساليب العرب المعروفة، فإنه حينئذ لا يكون شعرًا وإنما هو كلام منظوم، لأن الشعر له أساليب تخصّه لا تكون للمنثور. وكذا أساليب المنثور لا تكون للشعر.." (ص 1295) . بهذه الشفافية والدقة والوضوح والشمول يُعرّف ابن خلدون الشعر، ويبين حده، فيفصله فصلًا تامًا عن النثر، والكلام المنظوم الذي ليس من الشعر في شيء."
أما وقد انتهى الكلام على حقيقة الشعر فكيف يكون عمله؟ في الجواب عن هذا السؤال يبين ابن خلدون شروط عمل الشعر وإحكام صناعته، وهي: (ص ص 1296-1298) :