وينبني على ما تقدم كله أنه إن كان فن المنظوم صناعة وفن المنثور صناعة أخرى فإن الملكة في فن المنظوم حين تكون متقدمة على الملكة الثانية في فن المنثور، تكون الثانية أدنى مستوى أو جودة من الأولى؛ لأن الملكة الأولى تكون على الفطرة، ولذلك يكون امتلاكها أسهل وأيسر وأجود، على خلاف الثانية.
ولكن ابن خلدون العالِم المتواضع يتحفظ على التعميم المطلق لهذه النظرية، فيستعمل عبارة"إلا في الأقل"ليشير إلى حالات قد تخرج عن هذا التعميم، ولكنها استثنائية ولا يُقاس عليها.
3/3-صناعة الشعر ووجه تعلمه:
يبدأ ابن خلدون حديثه هنا بتعميم يبين فيه أن فن الشعر موجود في سائر اللغات، ولكن لكل لسان أحكامًا في البلاغة تخصه. وبعد أن يحصر الحديث في الشعر العربي، يذكر قواعده، فهو"في لسان العرب غريب النزعة غزير المنحى؛ إذ هو كلام مفصَّل قطعًا متساوية في الوزن، متحدة في الحرف الأخير من كل قطعة. وتسمى كل قطعة من هذه القطعات عندهم بيتًا؛ ويسمى الحرف الأخير الذي تتفق فيه رويًا وقافية؛ وتسمى جملة الكلام إلى آخره قصيدة وكلمة. وينفرد كل بيت منه بإفادته في تراكيبه، حتى كأنه كلام مستقل عما قبله وما بعده. وإذا أفردَ كان تامًا في بابه في مدح أو تشبيب أو رثاء.." (ص 1289) . ويستمر بعد ذلك في الحديث عن أغراض القصيدة، والانتقال وفق منهج عمودها من مرحلة إلى أخرى؛ وعن ضرورة إتقان علم العروض.
ويبين ابن خلدون"أن فن الشعر كان شريفًا عند العرب.. وكانت ملكته مستحكمة فيهم شأن الملكات كلها"، ولكنه"لصعوبة منحاه وغرابة فنه كان مِحَكًَا للقرائح في استجادة أساليبه وشحذ الأفكار في تنزيل الكلام بخصوصه إلى تلطف ومحاولة في رعاية الأساليب التي اختصته العرب بها واستعمالها" (ص 1290) .