فهرس الكتاب

الصفحة 13038 من 23694

وقد التزم ابن خلدون في أسلوبه بدعوته، وخرج عن قيود السجع والتزويق في عصر كانت الكتابة العربية تغرق فيهما. ونحن مدينون لهذا النهج في الكتابة المترسلة الخلدونية، الذي كان - كما يقول علي عبد الواحد وافي محقق المقدمة -"ذا أثر كبير في لغة الكتابة في مختلف أنحاء العالم العربي في العصر الحديث". (الجزء الأول، ص 97) .

3/2-لا تتفق الإجادة في فني المنظوم والمنثور معًا إلا للأقل:

في البرهنة على هذه الفرضية لا بد من العودة إلى نظرية ابن خلدون التي مفادها"أن اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة، إذ هي ملكات في اللسان للعبارة عن المعاني، وجودتها وقصورها بحسب تمام الملكة أو نقصانها". (ص 1268) . وهذا يعني أن الملكات تُكتَسب بالتدرب والمران، وعلى ذلك تكون جودتها وقصورها مرتبطين بتمام الملكة أو نقصانها، أي بمقدار التدرب عليها الذي يبلغ حد الإتقان أحيانًا، ولا يبلغه أحيانًا أخرى.

وهذه النظرية تتضافر مع نظرية أخرى له تقول:"إن من حصلت له ملكة في صناعة فقل أن يجيد بعدها ملكة أخرى". ويفسِّر ابن خلدون ذلك بأن"الملكات صفات للنفس وألوان فلا تزدحم دفعة. ومن كان على الفطرة كان أسهل لقبول الملكات وأحسن استعدادًا لحصولها. فإذا تلونت النفس بالملكة الأخرى وخرجت عن الفطرة ضعف فيها الاستعداد باللون الحاصل من هذه الملكة، فكان قبولها للملكة الأخرى أضعف". ويخلص إلى أنه"قلَّ أن تجد صاحب صناعة يُحْكِمُها ثم يُحْكِم من بعدها أخرى ويكون فيهما معًا على رتبة واحدة" (الجزء الثالث، ص. ص 930-931) .

ويقدم ابن خلدون أمثلة لذلك كعادته دائمًا فيقول:"وانظر من تقدم له شيء من العجمة كيف يكون قاصرًا في اللسان العربي أبدًا. فالأعجمي الذي سبقت له اللغة الفارسية لا يستولي على ملكة اللسان العربي، ويظل قاصرًا فيه ولو تعلَّمه وعَلِمَه" (ص 1288) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت