ولكن أين موقع القرآن من هذين الفنين؟ إنه ليس بشعر بالتأكيد، ولكنه، وإن كان من المنثور، لا ينتمي إلى أي من نوعي النثر: السجع والترسل. إنه كما يوضح ابن خلدون"خارج عن الوصفين، وليس يسمى مرسلًا مطلقًا ولا مسجعًا. بل تفصيل آيات ينتهي إلى مقاطع يشهد الذوق بانتهاء الكلام عندها. ثم يعاد الكلام في الآية الأخرى بعدها، ويثنَّى من غير التزام حرف يكون سجعًا ولا قافية". ويستشهد على ذلك بالآية الثالثة والعشرين من سورة الزمر وهي:"الله نزَّل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مَثَانِيَ تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم"، وكذلك بالآية السادسة والعشرين من سورة الأنعام، وهي"وهذا صراط ربك مستقيمًا، قد فصّلنا الآيات لقوم يذَّكرون". أما آخر الآيات منها فيسمى فواصل. وأطلق اسم المثاني على آيات القرآن كلها على العموم للأسباب السابقة، واختصت (أي المثاني) بأم القرآن (الفاتحة) (ص 1286) .
وأشار ابن خلدون بشيء من الأسف إلى استعمال المتأخرين"أساليب الشعر وموازينه في المنثور، من كثرة الأسجاع والتزام التقفية وتقديم النسيب بين يدي الأغراض، وصار هذا المنثور، إذا تأملته، من باب الشعر وفنه ولم يفترقا إلا في الوزن" (ص 1286) . كما بين أن هذا الأسلوب استعمل في المخاطبات السلطانية على يد المتأخرين الذين"قصروا الاستعمال في هذا المنثور على هذا الفن الذي ارتضوه، وخلطوا الأساليب فيه، وهجروا المرسل وتناسوه وخصوصًا أهل المشرق". ولذلك نعت هؤلاء الكتاب بالغُفل، لأن أسلوبهم هذا"غير صواب من جهة البلاغة لما يلاحظ في تطبيق الكلام على مقتضى الحال، من أحوال المخاطِب والمخاطَب" (ص1287) . وقد دعا ابن خلدون إلى"الترسُّل، وهو إطلاق الكلام وإرساله من غير تسجيع إلا في الأقل النادر، وحيث ترسله الملكة إرسالًا من غير تكلّف، ثم أعطاه الكلام حقه في مطابقته لمقتضى الحال" (ص 1287) .