ولم ينسَ ابن خلدون كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني. ولكنه يمتاز عن الكتب السابقة بأنه بُني على الغناء في مئة الصوت التي اختارها المغنون للرشيد، ولذلك جعله مستقلًا. وقرَّظه تقريظًا رائعًا بقوله:"ولعمري إنه ديوان العرب وجامع أشتات المحاسن التي سلفت لهم في كل فن من فنون التاريخ والغناء وسائر الأحوال، ولا يعدل به كتاب في ذلك فيما تعلمه، وهو الغاية التي يسمو إليها الأديب ويقف عندها؛ وأنَّى له ذلك؟" (1268) .
3-نظرات ابن خلدون النقدية:
لابن خلدون في الجزء الرابع من مقدمته جملة من الآراء النقدية الجديرة بالتقدير، ولا سيما إن صدرت عن عالم بالاجتماع والتاريخ لا عن عالم متخصص باللغة والأدب، وهي مبثوثة في ذلك الجزء على متون الصفحات (1285-1355) .
3/1-انقسام الكلام إلى شعر ونثر:
يقرر ابن خلدون"أن لسان العرب وكلامهم على فنين: في الشعر المنظوم، وهو الكلام الموزون المقفى، ومعناه الذي تكون أوزانه كلها على روي واحد وهو القافية؛ وفي النثر، وهو الكلام غير الموزون. وكل واحد من الفنين يشتمل على فنون ومذاهب في الكلام. فأما الشعر فمنه المدح والهجاء والرثاء. وأما النثر فمنه السجع الذي يؤتى به قطعًا، ويلتزم في كل كلمتين منه قافية واحدة تسمى سجعًا، ومنه المرسل الذي يطلق فيه الكلام إطلاقًا ولا يقطع أجزاء بل يرسل إرسالًا من غير تقييد بقافية. ويستعمل في الخطب والدعاء وترغيب الجمهور وترهيبهم" (ص 1285-1286) .
بهذه الأسطر القليلة المثقلة بالدلالة يميز ابن خلدون بين فني الكلام: الشعر والنثر، ويقدم لكل منهما تعريفًا متماسكًا، ويذكر أبرز أغراضه.