لقد بيَّن ابن خلدون أن أهل المشرق أقوم على هذا الفن من المغاربة. وعلل ذلك بقوله:"وسببه - والله أعلم - أنه كمالي في العلوم اللسانية، والصنائع الكمالية توجد في العمران، والمشرق أوفر عمرانًا من المغرب" (ص 1265) .
وهذه المقولة: العلم يزدهر حيث يزدهر العمران البشري، ويخبو حيث يخبو، تبدو عند ابن خلدون نظرية يُفسِّرُ بها ارتقاء العلوم أو انحطاطها في غير مكان من مقدمته. إنها قانون اكتشفه ابن خلدون قبل ظهور علم الاجتماع الأوروبي بحوالي خمسة قرون. وفي ذلك شاهد على عبقريته وأصالته ورسوخ قدمه.
ويذكر ابن خلدون أن أهل المغرب اختصوا بالبديع لولوعهم بتزيين الألفاظ، ولسهولة مأخذه. أمّا البلاغة والبيان فصعبت عليهم مآخذهما: لدقة أنظارهما وغموض معانيهما. ومن ألَّف في البديع من أهل إفريقية هو ابن رشيق وكتابه في ذلك هو العمدة، الذي كان نموذجًا جرى كثير من أهل إفريقية والأندلس على منحاه (1266) .
وخلص ابن خلدون إلى أن"ثمرة هذا الفن إنما هي في فهم الإعجاز من القرآن، لأن إعجازه في وفاء الدلالة منه بجميع مقتضيات الأحوال منطوقة ومفهومة، وهي أعلى مراتب الكلام، مع الكمال فيما يختص بالألفاظ في انتقائها وجودة رصفها وتركيبها، وهذا هو الإعجاز الذي تقصر الأفهام عن إدراكه" (1266) . وابن خلدون يستثني من هذه القاعدة المطلقة: (قصور الأفهام عن إدراك الإعجاز) من كان له ذوق بمخالطة اللسان العربي وحصول ملكته، فيدرك من إعجازه على قدر ذوقه. وبهذا يُفسر تفوق العرب من أهل المشرق في فهمه، وقد سمعوه من مُبلِّغه: لأنهم فرسان الكلام وجهابذاته والذوق عندهم موجود بأوفر ما يكون أصحّه"."
أما أصحاب الحاجة إلى هذا الفن فهم - في نظر ابن خلدون - مفسرو القرآن. ولكن تفاسيرهم كانت غُفلًا عنه حتى جاء الزمخشري بكتابه: الكشاف، فانفرد بهذا الفضل عن جميع التفاسير (1266) .