لقد كتمت الهوى حتى تهيّمني
وقد تأثر أبو عبادة الوليد ببيت جرير هذا في بيته الذي أبنا تصحيفه على الوجه السالف. ... ستر المحبة والهوى فضاح
هذا وقد جرى الصوفية على طريقة كتمان الحب وعدم البوح به. ولا بأس في بعض الاستطراد المناسب. يقول أبو الفتوح السهروردي (549هـ/ 1154م - 587هـ/ 1191م) في قصيدته المشهورة هذه الأبيات:
وارحمتا للعاشقين تكلّفوا
بالسر إن باحو تباح دماؤهم ... وكذا دماء العاشقين تباح
وإذا هُمُ كتموا تحدّث عنهمُ ... عند الوشاة المدمع السفّاح
وبدت شواهد للسقام عليهمُ ... فيها لمشكل أمرهم إيضاح
وفي الختام نودّ أن نورد رأي ابن عربي (560هـ/ 1165م - 638هـ/1240م) في كتمان الحب أو البوح به. فهو يرى في كتاب"الحُجُب":"أن كتمان المحبة حجاب. فإنه دليل على عدم استحكام سلطانها. بل لا يصح كتمان المحبة أصلًا فإن سلطان المحبة أقوى من كل سلطان."ويستشهد على ذلك بقول الخليفة هارون الرشيد: ... وحللن من قلبي بكل مكان
مَلّكَ الثلاث الآنساتُ عناني
مالي تطاوعني البريّة كلُّها ... وأطيعهنّ وهنّ في عصياني
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى ... وبه قويِن أعزّ من سلطاني
وينبّه الصوفي الفيلسوف على أنه"لا يصح كتمان المحبّة، فإن لسانها لسان حال، ليس لسان مقال، كما قيل: ... حتى يشكك فيه فهو كذوب"
من كان يزعم أن سيكتمُ حبّه
الحبُّ أغلب للفؤاد بقهره ... من أن يرى للستر فيه نصيب
وإذا بدا سرّ اللبيب فإنه ... لم يَبْدُ إلا والفتى مغلوب
إنّي لأحسد ذا الهوى متحفظًا ... لم تتهمه أعين وقلوب
وأما الكتمان المذكور عند أصحابنا فهو لا ينطق باسم محبوبه لإنسان واحد. وإليه أشار القائل حيث قال: ... وكتمت الهوى قمتُ بوجدي
باح مجنون عامرٍ بهواه
فإذا كان في القيامة نودي ... مَنْ قتيل الهوى تقدمت وحدي""
ويلخص الكاتب الصوفي الكبير هذا الأمر فيقول:"والجامع لباب الكتمان أن صاحبه ذو عقل ونظر. فهذا ناقص عن درجة الحب كما قيل: ... فأعيا عليّ الطب والمتطبب"
ولا خير في حبٍّ يُدَ بَّر بالعقل