5-في قصيدة قيس بن ذريح التي أشرت إليها آنفًا بيت كثيرًا ما يتداوله الأدباء وهو:
نهاري نهار الناس حتى إذا بدا
ويروى إذا دنا، وإذا دجا. ... منه بعضًا وأكتم الناس بعضا
وكتب الأدب إذا أوردت هذا البيت أثبتت دائمًا هزتني. والصحيح هرتني بالراء المهملة كما أثبت الزمخشري هذا اللفظ بالبيت نفسه في مادة"هرّ"من معجمه"أساس البلاغة". وجار الله هوما هو علمًا وتحقيقًا. ومعنى هرتني كرهتني وكرهتها عند التفكير فيك فبقيت ساهدًا بلا نوم. هذا ولفظ هزتني أقرب إلى القارئ من لفظ هرتني المجازي. ولذلك تلقّفه الكتاب، كما تشير طبيعة التلّقي والإدراك في نظرية"الغشتلت"النفسية.
6-مثل هذا التصحيف وقع في بيت البحتري (206هـ/821م-284هـ/897م) :
غرّني حبُّه فأصبحت أبدي
والصحيح: عزّني حبه.. أي غلبني فلم أستطع كتمانه فأصبحت أبوح ببعض منه وأكتم بعضًا آخر. جاء في القرآن الكريم:"وعزّني في الخطاب" (سورة ص الآية 23) . وجاء في كلام العرب: من عزّ بزّ أي من غلب سلب. ... على أن طرف العين لا بدّ فاضح
إن تاريخ الشعر العربي يفسر بعضه بعضًا. وفكرة كتمان الحب فيه أو البوح به فكرة متداولة. ذلك أن كتمان السرّ وعدم البوح به عادة من عادات الحب العذري صونًا للحبيب أن تمسّه الأراجيف، أو لأن الحب بلغ من القوة مبلغًا لا يناله البيان، ووصل من السمو درجة تجلّ عن الإعلان. يقول أحد الشعراء:
صددنا كأنّا لا مودّة بيننا
ومدّ إلينا الكاشحون عيونهم ... فلم يَبْدُ منا ما حوته الجوانح
وصافحت من لاقيت في البيت غيرها ... وكل الهوى مني لمن لا أُصافح
ولكن جريرًا الخطفي (28هـ/ 648م - 110هـ/ 728م) شعر بعبء الحب وقلة قدرته على حمل كتمانه: ... لا أستطيع لهذا الحبّ كتمانا