(نذكر استطرادًا هنا ما أخذه النقاد الفرنسيون على هوغو من كثرة استعمله القافيتين Ombre و Sombre كأنهما صنوان لا يفترقان في أشعاره) .
2-آ- علي بن العباس المعروف بابن الرومي (221/836-283/896) من أشهر شعراء الدولة العباسية وأغزرهم مادة وأكثرهم تناولًا لمختلف الأوصاف إنسانية وطبيعية، وأبرعهم انتباهًا للطريف الممتع أو الكريه المقذع.
قال يصف مجلسًا للأثرياء في بغداد تدير فيه الجواري الحسان أكواب الشراب على الحضور في قصيدة طويلة بلغ فيها منتهى البلاغة في وصف تلك الساقيات الجميلات اللواتي يشبهن في إنسيابهن ورقتهن ورشاقتهن سُفنًا لطيفة تجري واحدة تلو أخرى فوق مياه صافية عذبة: أكاد لا أملّ من قراءة هذه الأبيات الشائقة المغرية التي ينكر الشاعر في نهايتها على أولئك الذين جلسوا أمثال ذلك المجلس ويندد بهم:
يا لها ساقيًا تدير يداه
حديثها الشهي اللذيذ كالسحر ... نزلت به وأحب أهل المنزل
حلال (لأنه في الواقع ليس سحرًا) حرام (لأنه يغوي المسلم الورع وإغواؤه مثل قتله)
إن طال (والإطالة مملة) لم يُمْلَلْ على رغم إطالته
إن أوجزت (والإيجاز مرغوب فيه مبدئيًا) يود السامع أن تطيل لعذوبة حديثها.
العقول (حرة في تصوّراتها) ولكن تلك الحسناء بحديثها تقيّد حرية العقول وتستأسرها وتستأثر بها.
النزهة خروج من البيت إلى الرياض لا حاجة للمطمئن في مجلسه معها أن يخرج إلى الرياض لأنها هي رياض.
المرء إذا هم بالقيام استوفز ثم انصرف إلى طيّته لكن إذا سمعها المستوفز تتحدث تّلَبَّثَ وبقي بين القعود والقيام.
هذه المفارقات أو النقائض على حد تعبير الفيلسوف كَنْت لا تجد لها حلولًا على حسب تصور ابن الرومي إلا في ذلك الحديث العذب حديث حسنائه.