ولكن هناك صعوبة في تطبيق هذا المبدأ على حركة القذائف، فحين يرمي رامٍ حجرة، ويكفُّ هو عن تحريكها، ماهي القوة التي تبقي فيها الحركة؟...
ولقد خصص العالم الشهير دوهيم (Duhem) (20) ، في مجموعة كتبه الخاصة بتاريخ الفلك دراسة مطولة في هذا الموضوع، وتتبع التفاسير المختلفة التي قدمها الفلاسفة اليونانيون والعرب لحل هذه المشكلة. كما أن الأستاذ بينس pines (21) ، خصص عدة مقالات لتوضيح النظرية عند الفلاسفة العرب وبخاصة أبو البركات البغدادي. فلخص الأستاذ كرومبي هذه البحوث في مقالته عن ابن سينا العالم ونحن بدورنا نثبت هنا نتائج بحثه.
يقول أرسطو: إن الذي يبقي الحركة في القذيفة هو الهواء. بيد أن شارحًا من القرون الوسطى، هو يوحنا النحوي Jean Philopon اعترض على هذا الرأي قائلًا: إن الهواء يتصدى للحركة، وإن الجسم المتحرك يحتفظ بحركته بفعل صفةٍ أو قوة تحركية منطبعة بالقاذفة نفسها.
وكان ابن سينا أول فيلسوف عربي أخذ برأي يحيى النحوي فعرّف هذه القوة بأنها ميل قصري يدفع به الجسم ما يمنعه من أن يتحرك في أية جهة. فشبه هذه الصفة بالحرارة التي تعطيها النار للماء. فقد نقح نظرية ابن سينا في نقطتين مهمتين جعلتها تقترب من النظرية الحديثة الخاصة بقوة القصور الذاتي. فقد كان يحيى النحوي يقول: إن الميل القصري يأخذ بالتلاشي في الفراغ، وإن القذيفة تصل تدريجيًا إلى السكون. أما ابن سينا فقد كان يرى خلاف ذلك فيقول: إنه إذا لم يكن هناك أي مانع فهذه القوة، والحركة القصرية التي تسببها ـ تدوم إلى اللانهاية.
ثانيًا: حاول أن يعبر عن هذه القوة المحركة بواسطة الكمّ قائلًا: إن الأجسام، عندما تحركها قوّة محددة تسير بسرعة تتناسب عكسيًا مع ثقلها، وإن الأجسام التي تتحرك بسرعة محددة تقطع (ضد مقاومة الهواء) مسافاتٍ متناسبةٍ مباشرة مع أثقالها.