ونشروا استعمال الأدوية المعدنية مثل الزئبق، والأفيون وأدوية مخدرة خفيفة أخرى. وتمكنوا من إجراء عمليات صعبة مثل عملية الفتق والسد، وسدّوا الأضراس بأوراق من الذهب، وزوّدوا ذوي النظر القصير بالنظارات (16) .
ومما لاشك فيه أن هذه الروح التجريبية التي أنجزت هذه الأعمال هي في الأكثر ثمرة للتعليم السينوي الطبي.
وقد اختار الأستاذ كرومبي مثلين نرى فيهما هذا الأثر بشكل لا يقبل الشك: الأول: النظرية الخاصة بالحركة الدموية الصغرى، والثاني في نظرية الأبصار.
الحركة الدموية الصغرى (17) .
أما (الحركة الدموية) ، فقد كان ابن سينا قد قبل نظرية جالينوس القائلة: إنَّ الدم"والأرواح"ترتفع وتسيل بين نصفي القلب والشرايين والأوردة، وأن هناك صلة بين نظام الأوردة ونظام الشرايين بواسطة نوافذ كان يفرض أنها تمرّ عبر الحاجز الناشب في البطين (intraventricular septum) .
وفي القرن الثالث عشر، نقد علاء الدين ابن النفيس، الطبيب المصري في شرحه للقانون، نظرية ابن سينا، فقد قرر أن هذه المسام أو النوافذ لا وجود لها، وأن الدم يمر من الجانب الأيمن إلى الجانب الأيسر من القلب بطريق الرئتين. وقد بنى ابن النفيس نظريته ـ وهو أول من قال بنظرية الحركة الدموية الصغرى أي بواسطة الرئتين ـ على أساس منطقي محض، قائلًا مثلًا: إن كانت هذه النوافذ موجودة، فالدم في الجانب الأيسر من القلب لا يستطيع أن يبقى نقيًا.
وقد خصص الدكتور بول غليونجي، القاهري، بحثا مطولًا لابن النفيس ونحن ننقل هنا ما وصل إليه فيما يتعلق بنظرية ابن سينا.... يقول الدكتور غليونجي:"ولعلنا نستطيع الآن أن نتصور الدورة الدموية كما كان يتصورها ابن النفيس مستندين في ذلك إلى ما سبق أن استشهدنا به من فقرات في شرح تشريح القانون"...