وكان الوالي قد استغرب غياب طبيبه الحكم وقت الغذاء ذلك اليوم، وحين سئل عن سبب غياب الطبيب، أُخبر بوفاة الحكم، وأجاب مضيفًا:
"لا يعرف أحد بلغ من السن ما بلغ،"لم يتغير عقله، ولم ينقص عِلمه"."
فسأل (الوالي) عبد الله عن سنه فقال، إنه عُمِّر مائة سنة وخمس سنين (هجرية) ، فقال عبد الله: عاش الحكم نصف التاريخ!". فقد حافظ على إشراقة وجهه ورونق منظره ورجاحة ذهنه. وقد عاصر من الخلفاء: هشام الأموي حتى المأمون العباسي (من حوالي 105 -210ه/723 -825م) (9) ."
ثم إن القاضي أبا يوسف يعقوب بن إبراهيم، من ذرّية سعد بن حَبْتَة الأنصاري (ت 182هم) وهو صديق الإمام أبي حنيفة (80 -150ه/699 -767م) ، قال: حدّثني عيسى بن الحكم:
"ركبتُ مع أبي الحكم، في مدينة دمشق، فاجتزنا بحانوت جحَّام قد وقف عليه بشرٌ كثير، فلما بَصُر بنا بعض الجماعة قالوا: أفرجوا، هذا الحكم المتطبِّب وعيسى ابنه! فلمَّا أفرج القوم، إذا برجل قد فصده الحجَّام في العرق الباسليق (في الذراع) فصدًا واسعًا... أصاب الشريان، ولم يكن عند الحجَّام حيلةٌ في قطع الدم!"، والرجل مطروح على الأرض. فعالجه الحكم أولًا بوضع نصف قشرة من الفتسق، وثانيًا لفّ المكان بقماش كتَّان لفًّا جيدًا وضمَّده، ثم أخذه إلى حافة النهر، ووضع ذراع المصاب تحت الماء البارد مدةً طويلة بمساعدة تلاميذه. واستمرَّت المعالجة سبعة أيام بعد كشف الموضع، حتى تمام الشفاء (10) .
الحفيد عيسى بن الحكم:
هو أبو الحسن عيسى (مسيح) بن الحكم (أو حكم) الدمشقي.
أول من ذكره من المؤرخين أبو الفرج محمد بن النديم في الفهرست (أكمله عام 378ه/987م) ، في جملة واحدة؛ وكذلك القاضي صاعد الطليطلي الأندلسي (ت 463ه/1000م) في سطر واحد. وعرَّفه تعريفًا أكثر دقة ووضوحًا كلّ من القاضي جمال الدين القفطي (ت 646ه/1248م) ، والطبيب المؤرخ ابن أبي أصيبعة (ت عام 668ه/1270م) (11) .