واستمرّ أبو الحكم الدمشقي في ممارسة المهنة بالعاصمة الأموية، حتى أوشكت دولة الأمويين على السقوط. وقد عُمّر طويلًا، ما يقرب من مائة عام (من حوالي 27 -127ه/646 -745م، مائة سنة هجرية ونيّف) (7) .
الحكم الدمشقي:
خلّف الأب ابنه الحَكم (أو كما تسميه المصادر التاريخية: حكم الدمشقي) ، ليأخذ مكان أبيه. ويلاحظ أن الابن ظهر طبيبًا والأب في سنّ الشيخوخة،وذلك، في رأينا، إما لأن الأب تزوج متأخرًا، أو -وهو الأرجح -لأن الابن ولِد لأبيه من زوجة ثانية بعد وفاة زوجته الأولى والتي -كما يبدو -لم تنجب له ذكرًا يرثه، وأن حكم هو الابن الوحيد له!
وكانت شهرة الحكم (الابن) في آخر الدول الأموية وصدر الدولة العباسية. وقد تزوج مبكرًا، وولِد له ابن أسماه"عيسى"تيمّنًا وعُرف"بالحفيد"، كما سيأتي بيانه.
درس الحكم الطب على أبيه مع تلامذة آخرين، ولحق بأبيه في معرفة العقاقير وإتقان التدابير الصحية ومهارات الأعمال والحيل الطبية والوصفات الصيدلانية. ولدماثة خُلقه، وحذقه في صناعة الطب والعمل باليد (الجراحة) ، ذاع صيته وتميز ذكره. وبلغ من العمر أكثر مما بلغ أبوه، ومن المؤسف أن الأب والابن كليهما -مع ممارستهما المهنة طويلًا -لم يتركا لنا آثارًا خطيَّة معروفة!.
ولشهرة الحكم أيضًا، اجتمع إليه عدد ليس بقليل من طلبة الطب، يأخذون عنه الممارسة العملية ويتمرنون على أعمالها اليدوية الجراحية بأنواعها والمعالجات -كان من بينهم ابنه عيسى -وكانوا نواة ممارسي المهنة في بلاد الشام آنذاك (8) .
وتوفي الحكم حين كان والي البلاد الشامية"عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعي"عام 210ه/825م. وحدث أن حضر جنازته ودفنه بدمشق عدد كبير من الوجهاء وعِلْية القوم وعامة الناس مودّعين جثمانه لمثواه الأخير، وكان بينهم أيوب بن الحكم البصري طبيب الوالي الخاص.