وفي هذه الآونة ظهر الطبيب"أبو الحكم الدمشقي"مؤسس هذه الأسرة النبيلة، وكان عالمًا بأنواع العلاج والأدوية فسُجلت له في زمانه أعمال مذكورة فريدة ومعالجات ناحجة، شَهد له بها بعض المؤرخين. وكان الخليفة معاوية بن أبي سفيان يستطبّه، كزميله ابن آثال السابق ذكره. وكان عارفًا بأنواع العقاقير والوصفات والمهارات الطبية بممارسات صائبة لنفع مرضاه وشفائهم بكل فطنة وحذق وهو لمَا يزل في ريعان شبابه (3) .
وفي عا م51ه (681م) ولِي الحج الأمير يزيد بن معاوية، وتوجه معه -متطببًا له -أبو الحكم، مما يوحي بأنه كان أشهر الممارسين للمهنة في العاصمة الأموية آنذاك، وكان الموسم بكل مراسمه ونتائجه ناجحًا ومباركًا وميمونًا (4) .
ويبدو أن علاقة أبي الحكم بكل من الخليفتين، معاوية وابنه يزيد (40- 64ه/661 -683م) ، كانت على ما يرام. فالطبيب كان مبرّزًا في فنه مخلصًا في عمله موفقًا في النصح الطبي والعناية، والقصر يغدق عليه العطايا والنعم. إلا أن ذلك كله تغيّر منذ انتقلت الخلافة إلى بني مروان. وقد ظل أبو الحكم طبيبًا للقصر، إلا أن الخليفة عبد الملك بن مروان، السابق ذكره، لم يكن يسترشد -إذا ما ألمّ به مرض واحتاج إلى معالجة -برأي طبيبه الواسع الخبرة والمهارة، بل كان يلجأ إلى أطباء آخرين في صحبته. ولما أصيب في عام 86ه/705م بوعكة عسيرة مع حمّى، رفض مشورة أبي الحكم وتقبّل نصحًا من آخرين، وكانت نتيجة التشخيص والمعالجة خاطئة مما أدى إلى وفاة الخليفة في غضون ثلاثة أيام (5) .
وبويع الوليد بدمشق في اليوم الذي توفي فيه أبوه عبد الملك في منتصف جمادى الآخرة عام 86ه/705م، وكان من مآثره أنه بنى المسجد الجامع بدمشق، ومسجد الرسول بالمدينة المنورة، كما أسس"ملجأ"لإيواء المرضى وذوي العاهات والمقعدين والمعوزين (6) .