لكن تقحُّمات الجواليقي تبدو أقل اعتباطية من تقحُّمات السيوطي في كتابه المهذَّب فيما وقع في القرآن من المعرَّب). إذ عدَّ كلماتٍ مثل (يَصُدُّون) معرَّبة من الحبشية (14) و (القيُّوم) عن السريانية (15) ، و (حرام) من الحبشية (16) ، و (الرحمن) من العبريَّة (17) و (سُجَّدًا) من السريانية (18) و (ابلعي) من الهندية (19) . ولم يكن له من سَند في هذه الادعاءات إلا قول أو نقل عن مجهول أو متسرِّع. وكان الأحرى بالسيوطي وغيره أن يَكُفوا عن مثل هذه الأحكام الفطيرة، لا سيما عندما يتعلق الأمر بكتاب الله الكريم المنزَّل بلسان عربي مبين. لقد حاول محقق كتاب (المهذَّب) الدكتور التهامي الراجي الهاشمي أن يُعيد كل كلمة يعرفها إلى أصلها في اللغات التي درسها وهي العبرانية والسريانية، محاولًا تسويغ بعض مزاعم المصنِّف؛ مع أن اللغات التي يدَّعى أنها عرِّبت منها هي في الغالب لغات عربية قديمة يطلقون عليها اسم (الساميات) ، ومن أصعب الأمور الجزم بتأصيل مادة لغوية في واحدة منها دون الأخرى، فيما يدرينا أن الساميات الأخرى هي التي أخذت هذه الكلمات من أختها العربية؟ ونحن نميل إلى ذلك لأن من مقاييس معرفة لغة الأصل لكلمة ما، وفرة اشتقاقاتها في تلك اللغة (20) . فهل ثمة أكثر اشتقاقًا من مواد: (قام وسجدو حَرم وصدَّ ورحِم وبلَع) في العربية؟
إن التسرُّع في ادعاء التعريب أدى إلى إقحامهم في المعرَّب ما شك القدماء أنفسهم في أنه معرَّب، وهو ما عبَّروا عنه بقولهم عن بعض المعرَّبات:"ليس بعربي محض (21) "أو"لا أحسبه عربيًا صحيحًا" (22) .
وفي الجزء الثالث من مجلة مجمع القاهرة بحث عن الكلمات اليونانية في العربية، لا يقلُّ غرابة عما ذهب إليه السيوطي، إذ يذكر كاتب المقال (129) كلمة يذهب إلى أن أصلها يوناني منها: (إزميل برج، بطاقة، تُرس، ترف، جنس، جسر، جزية، زكاة، زوج، قلم، قمّة، قميص، كيس، منديل، نافورة... ) (23) .