ج-التسرُّع في إدّعاء التعريب: وقد شارك القدماء في هذا المأخذ بعض المحدَثين. فلو أخذنا بأقوال هؤلاء وأولئك جملة لتوهمنا أن العربية ما هي إلا خليط من معرَّبات. هذا التسرُّع أدى إلى التَّمحل في الحكم على بعض الكلمات مثل كلمة (الكَنْز) ، إذ قال الجواليقي"هو فارسيّ معرَّب" (7) فعلَّق محقق كتابه الأستاذ أحمد محمد شاكر عليه في حاشيته:"وهي كلمة عربية لم يدَّع عجمتها غير المؤلف فيما أعلم. قال الراغب: وأصله من: كنزت التمر في الوعاء" (8) . ومن هذا القبيل قول الجواليقي:"قال ابن دريد: اللَّوز المعروف معرَّب" (9) فعقب محقق كتابه:"لم يقل ابن دريد هذا، وإنما أخطأ المؤلِّف في فهم كلامه، ففي الجمهرة: (واللَّوز عربي معروف) وإنما أوقع المؤلف في الوهم قول ابن دريد في الجمهرة (3/502) فيما أخذه العرب من السريانية: (واللَّوز الباذام) فهو يريد أن (الباذام) اسم اللوز في السريانية" (10) . ومنها"الأشائب: الأخلاط من الناس. قيل: إنها فارسية معرَّبة أصلها ( آشوب) (11) ، مع أن جذر الكلمة وتصريفاته في العربية واضحة نحو: شاب ويشوب وشائبة، وكلها تدور حول أصل واحد هو الخلط والمزج (12) ."
ومن إدعاء التعريب على الشبهة ما جاء في (المعرَّب) :"قال أبو بكر: قال قوم: التَّخم واحد التُّخوم، وهي حدود الأرض، عربي صحيح، وأنكر ذلك قوم وقالوا: التَّخْم أعجمي معرَّب، والأول أعلى وأفصح. وقال الكسائي وابن الأعرابي: هي التَّخوم بفتح التاء والجمع التُّخُم. وقال الفرَّاء: التخوم واحدها تخم. قال أبو عبيدة: وأصحاب العربية يقولون هي التَّخوم بفتح التاء ويجعلونها واحدًا، وأهل الشام يقولون: هي التُّخوم ويجعلونها جمعًا، الواحد تَخْم. يقال:هذه القرية تتاخم أرض كذا وكذا أي: تحادُّها" (13) . إن كل هذه الأقوال والنقول لم تشفع لكلمة (التَّخم) عند الجواليقي، ولم تَحُل دون أن يطردها من واحة العربية الفسيحة.