أنختُ جمله وعقلتهُ فغضب وقال: أقاطع طريق أنت؟ أم شيخ عشيرة تريد مني أن أمدحك؟ قلت له: لستُ هذا ولا ذاك ولكني متسائل، أصحيح أنك أيها البدوي مَنْ منازلُك بين رمال الدهناء وجبال اليمامة مهموم بدمشق الأموية وخائف عليها؟ قال بحدّةٍ وانفعال: نعم: أطلق عقال جملي. قلت:ُ بعد أن تنشدني شيئًا من قصيدتك. قال: رافقني إلى دمشق وهناك أسمعك هدفي من هذه الرحلة. ... عشية همّ صحبك بالرواح؟
مشيتُ معه إلى أن وقف على باب الخليفة عبد الملك بن مروان والشعراء من حوله يتدافعون بالمناكب يؤذن لهم بالدخول تباعًا، نظر إليّ وقال: أتُراهم ازدروا مظهرنا البدويّ فتخطتنا منهم العيون. أنظنهم غير آذنين لنا؟
قلت: يا جرير قل لهم إننا آتون من البعيد من قلب الصحراء، من قلب نجد، كابدْنا في طريقنا إليكم المتاعب والمعاناة. وحين قالها، أخذه بيده أحد رجال حاجب الخليفة وجره بعنف وأنا سائر خلفه. وحين دخل على الخليفة صعّد فيه بصره وقال: ما اسمك؟ قال جرير بن عطية: أتيتُ إليك من اليمامة، سأله: ماذا عندك؟ قال: قصيدة. وأنشَدَ:
أتصحو أم فؤادك غير صاح
نظر إليه الخليفة باستنكار، وليته وعى رسالة المجهول إليه، فالشاعر يتلقى الإلهام كيفما أتى إليه ولا يتدخل فيه إذا هو استوى على منبر الوعي والوعظ، وقد استوى، مشى من مئات السنين إلى يومنا هذا يتنقل من خليفة إلى آخر في دمشق الأموية وفي بغداد الرشيد وفي قاهرة المعزّ وفي الأندلس يردد على مسمع هذا وذاك: ... وأندى العالمين بطون راح..؟
أتصحوا أم فؤادك غير صاحِ؟
ولم يُقرئنا التاريخ أن واحدًا، إن كان خليفة أو كان أميرًا أو رئيسًا تساءل: أهذا نذير؟ ماذا يعني؟ وماذا كانت النتيجة وجاء به التاريخ؟ خمول في خمول ووهن على وهن..!!
أراد شاعر اليمامة أن ينهض بكل فؤاد خامل ويقول لكل عربي:
ألستم خير من ركب المطايا