كأني دحوت الأرض من خبرتي بها ... كأني بني الاسكندر السدّ من عزمي
فيخاطبه التويجري ممازحًا:"أراك هنا تغري فتاتك بخصائص سامية وهنا تأخذني يا أبا الطيب إلى أن أرى المرأة في زمانك وأحكم عليها... ماذا عنها لو أنك صففت طرّتك وتخثّرت في شكلك وكلامك، وطرحت نفسك تحت أقدامها... أتراها قابلة لك..؟؟"... قؤول فصيح لاعيي وفدم
ثم يضيف:"وبهذه المناسبة أودّ أن ترى مقياس عصرنا..؟ حتى لو أردت ذلك فلن أطرحه هنا فنفتضح أمامك..".
وقوله هذا يذكرني بتبدل مقاييس ذوق المرأة في الرجل بعد عصر المتنبي، فقد روى ابن الجوزي في نوادره، أن رجلا افتخر أمام امرأة يريد أن يتزوجها بقوله:
فإن تسألي عني الجميع فإنني
فقالت له: أصلحك الله.. لست لديوان الرسائل أريدك..!! ... وعَزَّةُ ممطولٌ معنّى غريمُها
هذا غيض من فيض، وأخشى إن استرسلت في نقل آراء الشيخ عبد العزيز، التويجري من خلال حواره مع أبي الطيب المتنبي أن أكون قد ظلمت المؤلف، وفوّت على القارئ إغرائي إياه بمطالعه الكتاب، الذي أعترف بعجزي عن تمثيل محتواه بأمانة وصدق، لأن شموله يعكس شمول فكر المتنبي، وهو صورة عن حياته وآماله وآلامه، مثلما يعكس فكر التويجري الذي يتقصّى أثره.
وفي الحوار بينهما يظهر الفارق بين فكرين يتلاقيان ويتباعدان عبر رسائل الكتاب بسبب حاجز زمني يفصل بين الرجلين، يتجاوز خمسة عشر قرنًا من الزمن، وفارق نفسي وثقافي لا يحول دون التقائهما معًا في كثر من المواقف.