أطاعن خيلًا من فوارسها الدهر
دع النفس تأخذ وسعها قبل بينها ... فمفترق جاران دارهما العمر
فيقول له:"مَنْ كانت هذه حاله ألا نأسفُ له في سيره على هذه الطريق، ركائبك يا أبا الطيب تاهت في ظلام الليل يوم جعلتَ (ضُميرًا) عن ميامنها مدلجة وراء الأمل، يوم دخلت على كافور من بابه، وخلّيت وراءها شروق الشمس... أراك فوق أكوار المطايا عقابًا غاضبًا على كل الطيور وجائرًا عليها بقوة جناحه ومخلبه، صفة للعقاب خبرناها في الصحراء، هو صبور كما أنت على الوحدة، وهو رمز القوة والكبرياء...."... أدنى إلى شرف من الإنسان
ويسأل المؤلفُ الشاعر عن سعة النفس التي يطلبها قبل فراق النفس الجسد، ويرى أنها سعة لا يدركها الطالب الطامح في حياته إذا لم يغتسل هذان الجاران وهما النفس والجسد بمياه الوعي الطاهرة، ولم ينظفا البيت ويحرساه من اللصوص.
ويحاور المتنبي في إعلائه شأن العقل في قوله:
لولا العقول لكان أدنى ضيغم
فيسأله:"ما الرأي ولونه..؟؟ من يزكّيه في معركة الصراع الفكري..؟؟ ومَنْ يدخل المعركة بوسائل من الرأي غير نظيفة، ثم ينتصر؟ أنزكيه أم نمنحه ثقتنا أم ماذا.. قليل من الأفكار لم تدخل الغابة.. فبغايا الأفكار انحراف وشذوذ عقلي، ومشكلة الإنسان بالأمس واليوم يا أبا الطيب أنه يضع يده على هامته يشكو الصداع من أفكاره الحبيسة، ولا يدري ما في الرؤوس... ولكن ظاهرة أليمة برزت في مجتمعاتنا العربية تعبر عن أفكارها بالدم والدمار بحجة حراسة الأفكار ممن لم يقبل بها.. هي وصايا نرتاب منها. والارتياب شيء علمتنا إياه مجاهل الصحراء يوم نسير فيها وينطرح السراب يخادعنا دون آبار المياه..."... ومبسمها الدري في الحسن والنظم
ولعلّ أطرف تعليقاته ومداعباته الشاعر ما أثبته معلقًا على افتخار المتنبي أمام محبوبته بفصاحته وشجاعته، إذ يقول المتنبي:
فتاة تساوي عقدها وكلامها
جفتني كأني لست أنطق قومها ... وأطعنهم والشهب في صورة الدرهم