فهرس الكتاب

الصفحة 1277 من 23694

وقد طبق الأستاذ كرومبي هذه الملاحظة في دراسته عن ابن سينا، فوصف الخلفية النفسية التي أوجدتها مؤلفات ابن سينا عندما دخلت لأول مرة في الغرب يقول: إن البيئة العلمية كانت حينذاك مهيّأة لهذا القران بين الانتباه إلى الحوادث التفصيلية ورغبة دخالها بمذهب فلسفي شامل.و هذا يفسر الاهتمام الكبير الذي أبداه المفكر نحو التراث العلمي للعالم القديم الذي كان يرد في موكب علماء العرب.

بعد سقوط الامبراطورية الرومانية في الغرب كل ما تبقى في العالم اللاتيني من التراث العلمي اليوناني كاد يكون محصورًا في دائرة معارف بليني Pliny وترجمات بوئيسيوس Boethius وبعض المقالات الأولية في المنطق والرياضيات. وبخلاف هذا القدر الضئيل من الزاد الفكري الذي كان يحول دون أي وجود لعلوم مبتكرة حتى عمل المترجمين في القرن الثاني عشر، كان حتى الفترة التي جاءت بعد ا لغارات البربرية حركة تكنولوجية وابتكارات هي من أغرب ما يلاحظ في تاريخ العلوم (3) .

نعم لم تكن هذه الابتكارات التي حققت في المرحلة بين 800 و1200، بالنسبة لما حققه العلم الحديث والمعاصر إلا شيئًا متواضعًا، ولكنه قد تجاوز تجاوزًا كبيرًا في بعض الميادين، كل ما حققته التكنولوجيا في العالم الكلاسيكي. وما الابتكارات التي وصلنا إليها في عالمنا الحاضر إلاّ امتدادٌ وتطور لهذه الحركة.

وقد لخص الأستاذ كرومبي (Crombie) هذه المنجزات التكنولوجية التي ظهرت في القرون الأولى حتى فترة الترجمات عندما ترجمت إلى اللاتينية مجموعة النصوص الخاصة بالعلوم اليونانية والعربية، ومنها مؤلفات ابن سينا، فذكر المحراث ذا العجلات والطرق الجديدة لسرج حيوانات الجرّ. وطرق البناء الجديدة، وبداية مكننة الصناعات باستعمال الإدارة بوساطة الهواء أو الماء، وتقدم الكيمياء وصناعة المعادن، كما هو واضح في صناعة الزجاج، والتقطير، وسباكة الأجراس. وبداية عمليات الجراحة وتحسينها وتشخيص الأمراض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت