وأشاعوا ظلمًا ورعبًا شديدين في كل ما وصلت إليه أيديهم من مواقع، وكره الناس وجودهم وسلطتهم، حتى وهي منقوصة لما فيها من قسوة، فكيف لو اكتملت، ونظروا إلى"الاحتلال الروماني لتلك المدن، التي خضعت لليهود، على أنه تحرير لها من الحكم البغيض". وكان ذلك بدخول"بومبي"القدس محتلًا عام 63 ق. م، وعندما خلفه يوليوس قيصر بعد أن هزمه، عيّن الأخير ليهود القدس كاهنًا هو"هرطانوس"وجعل الكهانة وراثة في أسرته، أما الحاكم الاداري فكان من العرب الذي أجبرهم اليهود الحشمونيون على اعتناق اليهودية بقوة السيف وتحت وطأة القهر، وهكذا استمر"انتباتر"الأدومي وابنه هيرودوس من بعده وأحفادهما حكامًا عربًا- يهودًا، ينظر إليهم يهود القدس والجليل على أنهم غرباء، ويستشعرون هم شيئًا من انتمائهم وكره الآخرين لهم فيفرضون وجودهم وسلطتهم بالقوة المعززة من الرومان، ويتقربون أحيانًا ليهود، ولكن الاحساس بالتباين كان متبادلًا.
وقد فرض هيرودوس حاكم القدس سلطته، وأعاد بناء الهيكل في القدس، تنافس الحاخام الأكبر وأتباعه مع الحاكم الاداري وأنصاره، تنافس اليهود الذين يفرضون على المدينة لونًا، ويطردون سواهم منها أو يضطهدونهم فيها، مع العرب، السكان الأصليين، الذين يتشبثون بمدينتهم ومواقعهم ويدافعون عن حضورهم، ويحمون وجودهم ولو تحت أقنعة يهودية أحيانًا.