كان لدولهم المحيطة بالقدس، ولمراكزهم نفوذهم التجاري وقوتهم فعل غير منسق، وتطلعات وآمال لا تحقق مشروعيتها أولا تجسد تلك المشروعية، ربما كان الجهل بالتاريخ أحد العوامل التي غيبت الوعي بالهوية والذات العربية الواحدة، وربما كان التنازع وتوزع الولاءات على الامبراطوريات، وربما عدم اللجوء إلى الاهتمام بالمكتوب المؤرخ، والبناء الأدبي على ذلك المكتوب والمؤرخ لتقوم في الذاكرة والوجدان العربيين صلات ومحاكمات وقوة ضبط وربط وفعل هادف يعيد الحق بالقوة لأهل الأرض والحضارة.
كانوا يتطلعون إلى القدس ويرون، وينظرون إلى ما يجري فيها من دمشق أو من البتراء أو من مؤاب أو من عمون، أو من غزة حيث كان يتمركز الفلسطينيون، ولكنهم لا يفلحون في تقديم مشروع ناضج يمكنهم من حسم ما يعاني منه عرب القدس، أو ما كانوا يعانون هم منه من أفعال اليهود التي كانت تتسم بالعدوان والفظاعة والنفاق ومحاولات السيطرة.
على أنه لم يتحقق لليهود في القدس أكثر من حضور الكهانة في مدينة لم يعد لهم فيها سيادة بالمعنى العلمي للكلمة، أو حتى بالمعنى الذي لها في ذلك التاريخ.
أفلح الأنباط لفترة من الزمن في رفع الروح المعنوية لعرب القدس خاصة وعرب فلسطين عامة، ولكنهم لم يحققوا حسمًا للموضوع الذي يبدو أنه لم يكن مثارًا بالحدة التي نعيشها نحن اليوم، وإن كان موجودًا في جوهر الصراع ودورته التاريخية بين الأقوام والعقائد والمصالح في المنطقة.