نشأ"محمد الفراتي"في بيئة دينية محافظة، ودرس في الأزهر، وتعلم العلوم العصرية، فجمع بين مادية العلم وروحانية الدين، وطوّف في الآفاق، وشهد تقلب الأحوال، فانطبع شعره بالحكمة حصيلة تجارب الحياة والنظر في أحوال الأمم، وتقلب الأيام، فينتهي به المطاف إلى اللجوء للخالق هربًا من نزعات العقل وشكوكه: ... إلى حيث تنطوي الأكوان
أجذبيني إليك يا قوة الله
أجذبيني فقد سئمت مقامي ... مع عقلي وشفّني الهجران
إن قلبي إليك يبرأ من ... عقلٍ سليب أذلّه الخسران
وقادته نزعته الدينية إلى صوفية رسخت لديه بعد شكوك وحيرة وتساؤلات قادها تأمله بأحوال الكون والوجود: ... بالترهات وفيما ليس من شغلي
إني أسفت على الأيام أقطعها
فما جنيت سوى الآثام من عبثي ... ولا استفدت سوى الآلام من عملي
معارف وعلوم كم شقيت بها ... فرحت ألهو بها كالطفل بالوحل
يا ضيعة العمر إذ أفنيت معظمه ... بالقال والقيل والتعليل والجدل
علمت أن سبيل الحق واحدة ... فلم ضللت بآلاف من السبل
ونذر"الفراتي"قلمه ليقظة أمته ومسايرة الركب الحضاري، لكن شعره ظل خافتًا لم ينفذ إلى أسماع الجماهير في زمان برز فيه شعراء كالكاظمي والرصافي وشوقي والزهاوي وحافظ إبراهيم.. ممن سدّوا عليه منافذ الشهرة، مع أن شعره متعدد الأغراض والاتجاهات، يحاكي شعر القدامى في بساطته وعفويته وجزالة سبكه، فهو شاعر مطبوع، غنى في غير سربه، وجاء في زمان تحوّل فيه الشعر وتبدلت أذواق الناس، إلا أنه أثرى الأدب العربي بترجماته الشعرية لبعض آثار الشعر الفارسي كالبستان للشاعر سعدي الشيرازي، فأدى للأدب خدمة جليلة.