بل زيادة على ذلك أرى أننا نعيش في عصر يجنح نحو الغلوّ في محبة المادة وجمع النشب والذهب ونحو الحياة الرافهة المطرزة بالسيارات الفارهة وسلع التقانة الحديثة المتجددة. وهذا من شأنه أن يصرف النشء عن سر التقدم الحقيقي وعن ابتغاء معالي الأمور. وهكذا أجد هذا التكريم سعيًا لتعديل ذلك الاتجاه وتسوية ذلك الانحراف وحثًا للنشء الكريم على التماس سبل العلم الرحبة والواسعة التي إن ذاق سالكها بعض العنت ونصيبًا من الشظف والتقشف فلا بدّ من أن يكون أوسع مدارك لفهم كنه الحياة وتعرف حقيقة الدنيا والآخرة.
المعرفة هي الشعلة الخالدة التي هي أخص خصائص الإنسان. وهي أصل كل تقدم وينبوع كل ثقافة ونسغ كل سعادة حقيقية وكل علاء أكيد وذلك على المستوى الفردي والاجتماعي والأممي.
وهي تطيل العمر وتهب نصيبًا من الخلود، إن نشر الثقافة والمعرفة وتلقّي النشء والناس بقلوبهم وعقولهم ثمراتها نوع من أنواع الاستمرار والبقاء وشكل ولو وهميًا من أشكال ذلك الخلود. وكما أن الآباء يعيشون في نفوس أبنائهم، كذلك يعيش العلماء والأدباء والمعلمون في نفوس مريديهم.
ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته
كما قال أبو الطيب. ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر
ثم إن العلم والتعليم في اعتباراتنا التراثية جزء من العبادة. بل هما أهم العبادات. الغني المترف قد يستمتع بالوردة مثلًا. ولكن الأديب يدرك بموهبته وثقافته العوالم التي تحف بالوردة من تبرعم فَرِحٍ وتفتح مبتهج وذبول سريع مأساوي ومن لون زاه وأريج فاغم وشكل بديع بالإضافة إلى ما جاء في الأدب والشعر والفنون من مزايا الورود وبوحها ومحاسنها والأجواء التي توحي بها. فالوردة عند الأديب أغنى بكثير وأحفل بالمعاني من مجرد شكلها الظاهر العابر.