فهرس الكتاب

الصفحة 12706 من 23694

وكم سَعِدَ حين كان يرى أغراسه تنمو فتُنْبِتُ الورد والياسمين وصنوف الأزهار، أو تشتد وتثمر شهيّ الفاكهة وطيّب الثمار، أو حين يبصر ضوء مصابيحه تنير أحيانًا خبايا الظلام على توالي الأيام والأعوام.

ولئن كنت عرضت هذا الموجز عن تعليمه الجامعي فليس للافتخار. إنما كان ذلك واجبه وجوهر عمله وأساس حياته الفكرية الدائبة. عرضته لأسوّغ تكريمكم هذا لأستاذ وقف حياته على العلم تعلمًا وتعليمًا وعلى الأدب نهلًا وإنجازًا.

وكأنه كان يحسّ أنه مسؤول عن أن ينقل بأمانة وعلى أحسن وجه كل ما حفظ وعرف وأنجز إلى أبنائه الطلاب وأن ينشئ حركة فكرية حديثة بين النشء المثقف تصل الماضي المجيد بالحاضر المتوثب المتطلع إلى آفاق معرفية جديدة. وذلك بصمت الواثق بعلمه وتجرد المؤمن برسالته وصبر المدقق الغيور. وحسبه مثل هذا التكريم جزاءً لذلك الصبر والتجرد والصمت والإخلاص والمحبة.

في الأدب الفرنسي يشبه الشاعر ألفريد موسّى نفسه أو كلَّ شاعر بطير البجع يطير ويطوف في الأفق يبحث عن قوت يغذي به فراخه. وقد يسعفه الحظ في طوافه. إلا أنه قد يؤوب إلى فراخه خاوي الوفاض حتى إذا رأى أعناق فراخه مشرئبة ومناقيرها فاغرة وليس معه زاد أنشب مخالبه في صدره وأطعم فراخه دمه وقلبه.

لست أنا بذلك الطائر الذي يقدم مهجته لفراخه. ففي نفسه نوازع كثيرة للأثرة. وأشعر دائمًا بالتقصير في كل عمل أعمله ولو لقي الثناء والإعجاب.

ولكني أرى أنكم في حمص قد اتخذتم ذلك الأستاذ رمزًا للمعلم والباحث والأديب. فالتكريم الحقيقي هو لكل أديب مخلص وباحث محقق ومعلم يرعى طلابه حق الرعاية ويحبهم ويحبونه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت