تزاد الزرقة بمقدار ضئيل جدًا كل مرة لعلها بالتدريج تثير جملتها مقاومة خلايا الجسم. ومرة أخطأ الطبيب المعاود فأعطاه زرقة تتجاوز المقدار المحدد، فقضى ليلة لا ينساها كابد فيها الحمى والهذيان والرؤى الكابوسية لم يصدق أنه سيعيش بعدها. ولكنّ البُحْران انفرج في الصباح. وكانت سيدة تختلف إلى المشفى تعالج المعالجة نفسها فبدأت تعمى. ولكنه أفاد كل الإفادة أن أمضى ثلاثة أشهر صيفية في قرية صغيرة تدعى سمبادل في جبال الكتلة المركزية متعرضًا مرة لتفتيش جنود الاحتلال ولتفتيش الثوار مرة مقابلة. وكان مع ذلك يرجو من الله أن يرد إليه بصره كما رده من قبل إلى يعقوب. وقد قيض له بحمد الله الشفاء وسلامة البصر.
كان يذهب في الصباح إلى المشفى ليتلقى زرقة السم ثم يحضر خاصة بعد الظهر دروس الفيلسوف بشلار بالسوربون في بحوث فلسفة العلوم وفي بحوث الخيال الأدبي. ثم ينصرف إلى غرفته مساءً في الحي اللاتيني ليقاوم تأثير تلك الزرقة السمية في جسمه. كانت هذه طريقة المداواة في كل مرض مستعص غامض وذلك قبل كشف المضادات الحيوية.
وكم ليلة مكابدة المرض أيقظت صفارات الإنذار السكان بالغارات الجوية. وقد اعتادها الناس، حتى إن الذين يسكنون في الحي اللاتيني كانوا يعلمون أن حيهم حي الطلاب والجامعات ليس هدفًا للغارات. فكان يقف إلى نافذة غرفته وينظر منها إلى قنابل الطائرات المغيرة تتهاوى على بعد من السماء كالشهب وإلى قنابل المدافع المضادة تتصاعد من حديقة اللكسمبرغ حيث أقيم فيها بعض تلك المدافع. كان ذلك المشهد رهيبًا ذكره ما جاء وصفه في أهوال القيامة حين تتشقق السماء وتنكدر النجوم متهاوية متساقطة.
كانت عزيمته على الدراسة في تلك الأجواء مع مرضه ملحمة وأيّ ملحمة.