إن مرحلة دراسته في فرنسة كانت مرحلة قاسية ومفيدة معًا. لقد نشبت الحرب العالمية الثانية في أيلول عام 1939. وحياة الحرب بما فيها من انقطاع عن الأهل ومن تقنين ونقص في الأنفس والخيرات ومن تعتيم وارتباك ومخاوف وسوق سوداء لا بد من أن تترك آثارها في نفوس الناس وفي سلوكهم. ولكن تلك المرحلة كانت خصيبة لمن شاء من الطلاب أن يتابع دراسته ويغرف من مناهل العلم والأدب. وهكذا انتحى طالبنا شعب الدراسات الفلسفية وأتيح له أساتذة أكفياء كانوا مشاعل الفكر في أوربة لا في فرنسة وحدها. كان بعض هؤلاء الأساتذة ولا سيما غاستون بشلار من جهة والمستشرق الكبير ماسينيون من جهة ثانية حين عرفوا ثقافة هذا الطالب السوري ومزاياه خصوه بنوع من الرعاية لا ينساها أبدًا. وهكذا استطاع أن يقطف بعد إجازتي العلوم والآداب خمس شهادات في الدراسات الفلسفية العليا وأن يهيئ أطروحة الدكتوراه في الفلسفة بمعدل أكثر من شهادتين في السنة الواحدة ومن المناسب أن نذكر أن تصنيفه كان الأول في شهادة علم الجمال وفلسفة الفن التي كانت جامعة باريس وحدها متخصصة بها.
ولكنه ما زال يذكر الأيام الدكن والليالي السود حين مرضت عيناه وقد فاجأه الفحص عام 1942. ولما ذهب يستشير الأطباء تحيروا في المداواة إذ لم يعرفوا سبب المرض. فقدم الامتحان وكان يشكو عينًا واحدة فغدا يشكو كلتا العينين. كان يكتب مباشرة على الورقة المبيضة دون أن يبصر بالتدقيق ما كان يكتب، ولكنه كان يعلم ماذا يكتب. ثم وقع بين يدي طبيب من أصل ألزاسي وهو الدكتور كَلْت. كان طيب الأخلاق عميق المعرفة. فأدرك سبب المرض وهو سوء الحالة الصحية لرداءة التغذية أي السَّغل زمن الحرب مع إدمان الدراسة.
فحوّله إلى طبيب خاص بالأمراض النادرة الغريبة فكان يذهب إلى مشفاه مرتين في الأسبوع ليتلقى في الوريد خلاصة السموم التي كانت تجلب من ألمانيا.