كان ذلك في زمن الثورة السورية الكبرى. ويذكر أنه استيقظ ذات يوم شتوي وتأهب للذهاب إلى مدرسة التجهيز قبل الساعة الثامنة صباحًا فإذا بفرقة من الجيش الفرنسي مؤلفة من جنود السنغال تحاصر حي باب الدريب وتحت المئذنتين وباب السباع بحثًا عن الثوار، فأُخِذهو ووالده ورجال الحي وفتيانه و شبابه إلى المرجع وراء البيوت وفتشت البيوت وفتشوا وأوقفوا مدة من الزمان ثم تركوا. وكان قد وصل إلى الثوار خبر التفتيش فأخذوا حذرهم واختفوا عن الأنظار. وكثيرًا ما كان الناس يسمعون في غسق الظلام وآناء الليل طلقات الرصاص تترامى وتتجاوب في سماء الحي، ويتحدث الناس عن بطولات نظير النشيواتي وخيرو الشهلا ورفاقهما إذ ذاك.
وللفتى اليافع أخ يكبره يدرس العلوم الدينية على شيوخ يعقدون حلقات في زوايا المساجد أو في غرف خصصتها الأوقاف لهم يدرّسون العلوم العربية والدينية تدريسًا حرًا لا أجر فيه وإنما هو عبادة وتقرب من الله ومأثرة عالية من مآثر التراث العربي والحضارة الإسلامية. فكان الفتى أول الأمر يسأل أخاه عن مشكلة عنّت له في الإعراب أو في اللغة. ثم رأى نفسه في العطلة الصيفية يحذو حذو أخيه فيستيقظ في الصيف مع الفجر فيصلي صلاة الصبح وينظر لمحات إلى السماء يتأمل النجوم تزداد تألقًا وتوهجًا وهي على وشك التغور والتواري، ثم يسرع من بيته في حي تحت المئذنتين إلى جامع بازر باشي لدى أول السوق ليصعد الدرج ويتحلق مع بعض الطلاب حول شيخهم المرحوم أحمد صافي. وقد وجد في دروس هذا العالم الجليل المتميز في علوم الآلات أي اللغة والنحو والتفسير والبلاغة والنحو والمنطق وما إلى ذلك بغيته المنشودة فكان يستوعب كل شاردة وواردة ثم يعود بعد متوع الشمس إلى البيت فيستذكر ما وعاه وكأنه القوت المرجو والزاد المطلوب ثم يطالع ما يعنّ له من كتب أخيه مشغوفًا بالمطالعة في الكتب الصفر والبيض وما تشتمل عليه من متون وحواش وتعليقات وشعر.