والميزة الثالثة لعقل ابن سينا العلمي هي التخلي عن الأحكام المسبقة في نظره إلى الوقائع العلمية:
وأحسن مثل لهذا هو موقفه مما كان يسمى الكيمياء في القرون الوسطى أو بالأحرى"الصناعة"وهي محاولة قلب المعادن الخسيسة إلى الفضة أو الذهب. وقد اعتقد كثيرٌ من علماء العصر الوسيط وحتى عصر النهضة أن هذا ممكن. وكان ابن سينا بموجب آرائه العلمية الخاصة بتكوين الأجسام والمعادن يخالف تمامًا هذه الفكرة. ولكنه أراد قبل أن يجاهر بموقف محدد من ذلك أن يقوم بنفسه بالعمليات التجريبية التي يصفها أصحاب الصناعة لكي يتحقق من صحة ما يزعمونه. وقد كتب رسالة في الأكسير توضح النتائج السلبية لأعماله.
وعندئذٍ فقط صرح برأيه المبني على التجربة. (2) .
معنى العلم وتقسيم العلوم عند ابن سينا:
لابد بادئ ذي بدء من ملاحظة خاصة بمعنى العلم في العصر الحديث، وهو يختلف عما كان يذهب إليه أرسطو ومن اقتدى بمبادئه. فالعلم بمعناه الحديث بنطبق قبل كل شيء على القوانين الخاصة بالظواهر ومحاولة ربط الوقائع بشروط وجودها. فقد تلاشى معنى العلة بمقتضاها الميتافيزيقي، وكل ما يطلبه الكيماوي أو الفيزيائي، هو تحديد الشروط الدقيقة التي تسمح لأي عالم آخر أن يعيد التجربة التي يجريها. وهذه النظرة الوضعية للحوادث الطبيعية فقد تظهر بكل وضوح عند عالم مثل أوغست كونت أو ستوارت مِل في محاولتهما لتصنيف العلوم.
كما أنه، منذ جاليلو وديكارت، أدخلت الرياضيات في تحديد الوقائع وصياغة القوانين (mathematisation) .
أما عند الفلاسفة القدماء وعلى رأسهم أرسطو كان للعلم معنى آخر، وهو معرفة الشيء بعلله وهو يرادف الحكمة أو المعرفة التامة للوجود1. فقد خصص ابن سينا رسالة لتقسيم العلوم نرى فيها كيف ينظر إليها وعلى أي أساس يُصَنِّفها (3) .