وختامًا أود أن أقرر أن ابن سينا كان صنيع عصره وبيئته، وكان بِحّقٍ قمة من قمم الثقافة العربية، واستطاع أن يحتفظ بمكان بارز في تاريخ الثقافات العالمية أدى رسالته في المغرب، كما أداها في المشرق، أداها في الحاضر كما أداها في الماضي، وسيذكر دائمًا بين من يمهدون للمستقبل. شغل الأذهان في التاريخ المتوسط والحديث، ولا يزال يشغلها حتى اليوم، وهو دون نزاع حلقة هامة في تاريخ الفكر الإنساني.
الدكتور إبراهيم مدكور
"تعليق"
(1) ـ يجد الأستاذ الفاضل شبهًا قويًا بين حركة الترجمة اللاتينية، وحركة الترجمة العربية. لاشك أن كلتيهما ترجمة، ولكن الفرق بين الحركتين كبير، ولابد من تبيان هذا الفرق بين نقل العرب عن اليونان ونقل الغربيين عن العرب.
ذلك أن حضارة العرب كانت أصيلة فاضت من جزيرة العرب وغمرت بلادًا واسعة وممالك مترامية، وعثرت في اتساعها على ثقافة اليونان التي كانت مبعثرة منثورة على وشك الضياع، منزوية في بعض المراكز والأديرة، فالتقطها العرب وترجموها في عواصمهم، ومسحوا عنها غبار الإهمال، وردوا رونقها إليها، واستفادوا منها رغم التواء الترجمات وغموضها وضعفها، بالإضافة إلى نقلهم تراث الأمم الأخرى كالفرس والهنود والصين والسريان... فكان نقلهم نقل الأعلى عن الأدنى والأقوى عن الأضعف، بخلاف الأوروبيين، فلم تكن عندهم حضارة إذ ذاك وإنما شهدوا حضارة العرب وحدها أمامهم، فاقتبسوها من جذاها.