ولم يقف أثر ابن سينا في الغرب عند القرون الوسطى، بل جاوزها إلى عصر النهضة والتاريخ وسبق أن أشرنا إلى مايبدو من تلاق بين"الرجل الطائر"عند ابن سينا، و"الكوجيتو"الديكارتي، وعقدت صلات أخرى بين الفيلسوف الإسلامي وباسكال، واسبنوزا، وليبتز. في مهرجان بغداد أطلقت عليه اسم"المفكر العالمي"الذي لم يتقيد فكره ولا فلسفته بزمان أو مكان معين. وفي هذا المهرجان نفسه أمدني زميل كريم، هو جب كبير مستشرقي إنجلترا المعاصرين، بحجة مفحمة، فقد أشار إلى كشف تمَّ أخيرًا في أثناء ترميم مكتبة"بودليين"بأوكسفورد، ولوحظ على حوائطها ثلاث صور مجتمعة، أولاها لأرسطو، وثانيها لأفلاطون، وتردد الباحثون في شأن الصورة الثالثة قليلًا، ثم قطعوا بأنها لابن سينا، هذا ولاشك حدث له دلالته. وفي تاريخنا المعاصر، لا يزال ابن سينا يشغل الأذهان شرقا ًوغربًا، فتترجم كتبه إلى اللغات الحية، وحرص اليونسكو على أن يشجع هذه الترجمة، وتقوم حوله دراسات مختلفة في الجامعات الإسلامية والمسيحية.
واكتسى طب ابن سينا وكتابه القانون، بكساء عالمي، في مقدمته ما ترجم إلى اللاتينية من النصوص العربية، وعد في أوروبا مرجعًا عامًا للدراسات الطبية طوال ستة قرون، من القرن الثاني عشر إلى القرن السابع عشر4 . ويوم أن اكتشف فن الطباعة الحديث نشر في أوروبا بالعربية واللاتينية قبل أن ينشر في الشرق والعالم الإسلامي. وقد أعيد نشره في أوروبا غير مرة، وبلغ عدد طبعاته في القرن السادس عشر نحو العشرين، ولا غرابة، فهو كتاب سهل في أسلوبه: منسق في منهجه، شامل في موضوعه، وقل أن يضارعه في ذلك كتاب طبي آخر في التاريخ القديم المتوسط.