وهل الحداثة جدة ولادة ليس إلا، وتشبث بالبحث عن تورمات ومغايرة، حتى لو كانت التورمات سرطانية خبيثة قتالة، والمغايرة تقود إلى التبعية والهجنة والضلال؟! أم أن الحداثة ولادة طبيعية للجديد المدهش المتألق في جدته وتجديده وحضوره، ولادة لنصوص فنية وأفكار جريئة ورؤى مستشرفة أخاذة بصوابيتها وإدهاشها وجماليتها، نمت في رحم حنون حماها وغذاها وقدمها للحياة، فتلقفتها بيئة تحنو عليها وتحن إليها وتتعاطف معها وتتلهف لها، فينمو كل ذلك نموًا سليمًا ويحقق نهضة شاملة وسليمة بتواصله الخلاق مع الأحياء ومكونات الحياة الثقافية، ويشكل جزءًا عضويًا من كل متكامل في مشهد حضاري يزداد زهوًا بالإقبال عليه والانتفاع به، وتكبر أهميته بالحاجة إليه والاستفادة منه.
إن التراث يحقق تواصلًا أعمق وأدوم مع الناس والأدب والحضارة، وعندما يصبح إنتاج"الحداثة والحداثي"تراثًا، قد يكتسب بعض تأثير التراث بقوة القدم -للقديم قوة لا تنكر- ولكن إلى أن يرسخ الحداثي حضوره وجذوره، وإلى أن يكتسب اعتراف المتداول ومكانته وتأثيره، فلا بد له من أن يدقق في سؤال هام: هل يمكنه أن يستغني كليًا عن التراث ويستمر في رفضه والاعتراض عليه والتشامخ فوقه وعدم الاكتراث برأي سدنته والناظرين إليه نظرة احترام؟! ألا يمكن أن يكون ذلك الموقف من الحداثي شمرخة لا معنى لها ولا غناء فيها؟! ربما كان ذلك التعارض والتناقض من طبيعة الأشياء وسنن الحياة، فالابن يخرج على أبيه، وقد يلد الصالح طالحًا والطالح صالحًا، وتتواصل صيرورة الحياة ضمن سيرورتها التي تتضمن جوهر الصراع، ولكن الحياة تعلمنا أيضًا أنه لا يمكن أن يتفوق الجنون على العقل ويصبح أساس نظام الحياة والإبداع، ولا يمكن أن يصبح الاضطراب العصابي حالة سلامة ومقياسًا للسوية البشرية، وأنه لا يمكن مجاوزة معيارية الزمن والقفز فوق امتحانه وغرباله.