إن الأسئلة التي يطرحها التراث على الحداثة، وتلك التي تطرحها الحداثة على التراث كثيرة ومتشعبة ومثيرة، وينبغي التوقف عندها بدقة وموضوعية للتمييز بين تطلعات إيجابية مشروعة وبناءة وأخرى قاصرة وهدامة، بين علاقة سليمة تؤدي إلى استمرار تيار الوعي والذاكرة والهوية في الإبداع، واستمرار التواصل والتأثير بشكل سليم، كما تؤدي إلى تنوع الولادات وغناها في ظل الصحة والسلامة والتمايز والرعاية، وصولًا إلى التفوق المرتقب، وبين إجهاضات متتالية كحالات حمل قد يكون متميزًا فيما لو تم بصورة طبيعية ولقي حضانة سليمة.
ومن حق الحداثي على التراثي ألا يكون الأخير له قيدًا أو غلًا، وألا يحجره ضمن قوقعة ويحجب عنه الشمس والريح والانطلاقة الحرة التي هي مناخ الإبداع وماء حياته وسر حيويته، وأن يفيض عليه من رحابة الاستيعاب ويتسع له ما اتسع مجال الإبداع للتجديد، مع الحفاظ على الهوية وتمايز الأنواع في خطوطها العريضة التي تثبتها جواهر المقومات والقيم والمعايير.
ومن حق التراثي على الحداثي أن يكون الأخير مستوعبًا لأهم معطيات الأول ومقوماته وقيمه، وأن يتعرف إليه جيدًا ويقبل عليه ليتمكن من استيعاب ما لديه، ويخرج عليه إذا ما خرج خروج المقتدرين المتمكنين العارفين من هم وما يريدون، وما يرفضون وما ينشدون، ومن حق التراثي على الحداثي أيضًا أن يحمل معالم هوية الأصالة لديه ليكون وريثًا شرعيًا له حتى لا تأكله الهجنة وينتمي إلى الغير، وحتى لا يكون سلاحًا فتاكًا بيد الغير يهوي على الشجرة/ ساقًا وجذرًا وأغصانًا وأوراقًا/ فلا يترك لها قيمة ولا قوامًا.
ولا بد أن تحكم العلاقة بعض الأسس والمعايير التي تجعل للاستمرار وجودًا وتجعل له معنى. وربما كان من واجب الحداثي أن يكون جادًا في سيره دون أن يشتط به السير والمسار فيصبح كالمنبت لا ظهرًا أبقى ولا أرضًا قطع.