يقول حداثيُّ اليوم: إنني أكتب لأجيال قادمة يصعب على من يعيشون في الماضي ويحيطون أنفسهم بأسواره أن يتعرف على احتياجاتها وتطلعاتها، وإنني أعيش حالة خاصة في عصر متطور يفوق تقدمه كل توقع ولذلك فإنني لا ألزم نفسي بأي قيد وأجد أن انطلاقتي ينبغي ألا تحكم بشيء، وحتى بعدم فهم المعاصرين لما أقول.
وحين يواجه ذلك القائل بإمكانية ألا يكون لما ينتج أية قيمة في المستقبل وربما في الحاضر، يصعّر خده ويمشي في الأرض مرحًا غير آبه بما سيكون.
ومسار التراث يطرح أمامه حقائق منها أن في التراث الأدبي، الذي يشكل جذر الأدب ومنهله وقوامه العام ومخزونه الحيوي الهائل، إنتاجًا تم تخزينه في مخابئه أكله الغبار وتداولته الأقدام، ونسيه الخلق، ولم يعد له تأثير أو حضور، وربما ولد أصلًا دون حيوية أو تأثير أو حضور، وصار شيئًا مما يتراكم على عتبات الإبداع ويسد الطريق إليه وعليه في بعض الفترات، ولا شك في أن ذلك عديم التأثير في مجرى النسغ الحي المتواصل بين قديم وجديد، وربما هو عديم القيمة، فهل يصح أن يكون ذلك عنوانًا للأدب وللتراث، من وجهة نظر الحداثيين الذين ينعون على التراث احتواءه بعض ما لا يهضم ولا يفهم ولا يصح تسويغه أو تسويقه؟!