ففي تاريخ الأدب العربي مراحل، كل من أسس مرحلة أو دفع باتجاه تأسيسها كان مجددًا من جهة وخارجًا على ما أسسه السابقون إلى حد الاتهام له في بعض الحالات من جهة أخرى، وربما كان خروجه ذاك"حداثيًا"بالمعنى السلبي أو الإيجابي للكلمة، حسب تداول المصطلح ومدلولاته اليوم، بالنسبة لشرائح من المهتمين والمتلقين في ذلك الزمان.
فالشعر العربي في العصر الأموي، مثلًا، فيه خروج على ما تآلف عليه شعراء الجاهلية ونقاد الشعر ومتلقوه في ذلك الزمان، وفي العباسي خروج على الأموي وعلى رصانة الشعر وأغراضه في بعض الحالات والأزمنة، وفي الشعر الأندلسي"الموشحات مثلًا"خروج على بعض معايير الشعر العربي، وقس على ذلك ما شئت أن تقيس، حتى تصل إلى الشعر الحر، أو شعر التفعيلة وإلى ما يسمى"قصيدة النثر"وضروب أخرى من الإنتاج الذي يلصق بالأدب العربي اليوم.
وعليه فإن سؤال الحداثة والتراث، سؤال يكاد يكون قديمًا حديثًا في آن معًا، إذا ما حملنا كلمة الحداثة على ما فيها من تجديد أو خروج على المألوف، ولكن حداثة اليوم، من بعض الوجوه والمسارب تأخذ على عاتقها التدمير وإشاعة الفوضى، ويخرج قصار القامة ممن يسيرون في تظاهراتها على كل شيء، حتى على سلامة اللغة وقواعدها، وبالتالي لا يملك بعضهم أدوات الصنعة ولا يحسن استخدامها إذا ما وضعت بين يديه، فضلًا عن عجزه الظاهر عن استخدام المواد التي تكوِّن الإبداع أو يتكون منها الإبداع، فكيف يصل إلى التشكيل الفني المتفوق، والتكوين والتلوين والموسقة العذبة، وإلى السحر الذي يشيعه في النفس توافق سحر الماء وسحر الإناء، سحر المضمون والشكل، وتناغم إيقاع عميق الغور بين النص والمتلقي فتكون متعة التلقي وشرارة التغيير العميق في نفس المتلقي، وبالتالي أداء الوظائف العامة للأدب والإبداع؟!!