ولم يقف أثر ابن سينا عند العربية، بل جاوزها إلى لغات شرقية أخرى، وسبق لنا أن أشرنا إلى أنه ألف بالفارسية، لغته الأصلية، كما ألف بالعربية، وتبودلت مؤلفاته بين مواطنيه الذين حاولوا أن يترجموا إلى لغتهم الوطنية مؤلفاته العربية، وكثيرًا ماكتب علماء الفرس بهاتين اللغتين. وعندهم أن ابن سينا هو الطبيب الكبير والفيلسوف الأول، وبقي طبه وفلسفته يدرسان إلى عهد غيره بعيد. وكان له أتباع وتلاميذ نذكر من بينهم صدر الدين الشيرازي (1642م) ، الذي أخذ كثيرًا عن ابن سينا، درسه وعلق عليه، وكانت شروحه مما يعول عليها.
وعن العربية والفارسية عرف ابن سينا في اللغتين التركية والكردية، وكان له بوجه خاص شأن في اللغة العبرية، وله فيها أنصار وأتباع. وقد خدمه اليهود درسًا وترجمة، ترجموها لأنفسهم ثانية، ثم عاونوا معاونة صادقة في نقله إلى اللاتينية.
وفيلسوفهم الكبير، ابن ميمون (1204م) ، مدين لابن سينا بقدر دينه لابن رشد (1198م) . واستطاعت فلسفة ابن سينا أن تجد طريقها أيضًا إلى اللغة السريانية فترجم إليها بعض كتبه كالإشارات، ورسالة الطير، ويعد ابن العبري (1286م) أحد كبار مفكري السريان في القرن الثالث عشر الميلادي، من تلاميذ ابن سينا المخلصين.
لم يتأخر طويلًا عبور ابن سينا إلى أوروبا، فلم يكد يمضي على وفاته نحو قرن حتى بدئ في ترجمته إلى اللاتينية. وسعى رجال القرون الوسطى المسيحية إلى الحصول على مؤلفاته، وبخاصة كتاب الشفاء الذي أشرنا إليه من قبل. وقد ترجم على مرحلتين: أولاهما في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي.