وابن سينا الفيلسوف عالم أيضًا، ولعلمه أثره وصداه، والعلم والفلسفة مختلطان كل الاختلاط وممتزجان في التاريخ القديم والمتوسط. ولفيلسوفنا دراسات علمية جديرة بالنظر والتأمل، وقد كشفت عنها بوجه خاص طبيعيات الشفاء ورياضياته. فعرض فيها للجيولوجيا، والنبات، والحيوان ووقف طويلًا عند علم النفس. وله في الرياضيات أبحاث دقيقة ومفصلة: في الحساب، والهندسة، والفلك، والموسيقى وهو في هذا يسمو على أرسطو الذي لم يقف عند الرياضيات طويلًا. وسبق لي أن نوهت ببعض جوانب ابن سينا العلمية، وأحرص على أن أقرر أنها لم تنل بعد حظها من البحث والدرس. ويوم أن تدرس في عناية واسعة، ستكشف عن أثر ابن سينا في تاريخ العلم العربي بعامة، وقد اجتذب هذا التاريخ بعض الباحثين من المستشرقين ولكنه لا يزال في حاجة إلى تخصص أعمق وبحث أشمل.
وابن سينا طبيب أخيرًا، وطبيب عظيم يعد من كبار الأطباء العالميين، وكتابه القانون أحد كتب الطب العالمية. وهو في الطب كأصول إقليدس في الهندسة، والمَجِسطي لبطليموس في الفلك، والطب العربي خاصة مدين له بقسط كبير. ووضع في أسلوب واضح وترتيب منسق، وقدم الطب اليوناني والطب العربي في صورة كاملة، وقد طغى على الكتب الطبية العربية الأخرى. وفاز بالصدارة وأضحى المرجع الأول للطب العربي طوال عدة قرون، وكان يدرس في المعاهد الإسلامية الكبرى منذ القرن الخامس الهجري حتى أخريات القرن الماضي. وتتلمذ عليه أطباء متلاحقون، وفي مقدمتهم ابن النفيس (1288م) الذي اكتشف لأول مرة الدورة الدموية الصغرى. واعترافًا بفضل أستاذه عليه، سمى كتابه الهام"موجز القانون"..