ولم يكن حظ التصوف الإسلامي في الأخذ عن ابن سينا بأقل من حظ علم الكلام، لأنه كان في آن واحد فيلسوفًا ومتصوفًا. ويعرض الفصل الأخير من كتاب الإشارات لقضايا كانت دعامة التصوف الفلسفي في الإسلام. وحكمة ابن سينا المشرقية غَذّت دون نزاع الفلسفة الإشراقية التي قال بها السهروردي المقتول (1191م) ، واستلفتت هذه الصلة نظر كثير من الباحثين بين مشارقة ومستشرقين وابن عربي (1240م) ، وإن نحا منحى"وحدة الوجود"، عول فيها على دعائم سبقه بها ابن سينا، وأفاد كثيرًا من نظراته الصوفية، وابن سبعين (1270م) ، وإن عارض الشيخ الرئيس ونقده أحيانًا، مدين له بقدر غير قليل من الآراء والأفكار، ولا غرابة فهو خاتمة المتصوفة الفلاسفة.
وفي كلمة واحدة يمكننا أن نقرر أن فلسفة ابن سينا كانت الفلسفة الوحيدة في العالم الإسلامي، وبخاصة في المشرق، منذ القرن السادس الهجري إلى القرن الرابع عشر، برغم حملة الغزالي (1111م) ، العنيفة على الفلسفة والفلاسفة. فكانت تدرس في المعاهد الدينية الكبرى في ثنايا التصوف وعلم الكلام، في القرويين، والزيتونة بالمغرب، وفي الجامع الأزهر، وكبرى مساجد دمشق، وبغداد، وأصبهان وشيراز بالمشرق. ومما يلفت النظر حقًا أن الفلسفة عرفت في هذه المعاهد كيف تتآخى مع التصوف وعلم الكلام، وفي وسعنا أن نذهب إلى أبعد من ذلك، فنلاحظ أنا نلمس لدى جمال الدين الأفغاني (1897) ومحمد عبده (1905) بعض لمحات من فكر ابن سينا.